الحلقة الثالثة
––– الحلــقــة الثــالــثــة: القلب اللي ينقلب… والناس اللي ما ترحم –––
سيف بعد كل هالاختبارات حس إن داخله قاعد يتغيّر ببطء… مثل شجرة كانت يابسة وبدأت تطلع ورقة صغيرة خضراء، ورقة يمكن تنكسر من أي ريح، بس تبقى بداية حياة.
استمر أسبوعين على وضو جديد:
صلاة منتظمة… قرآن… استغفار…
بس اللي حوله؟ لا يتبدلون بسهولة.
بالشغل، صار ينطي ظهره للهوايش اللي كانوا يسمّيهم “ربع”، وصار يسمع همساتهم:
“تمثيل… هسه أسبوع ويرجع.”
“أصلاً ما يتوب هذا.”
“خلي يعبر الشهر ونشوفه.”
الكلام كان يوجع أكثر من الذنوب نفسها.
الذنب يطيح عليك مرّة… كلام الناس يطيح كل يوم.
بس سيف صار يكرر آية وحده كل ما يسمعهم:
﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾
بالليل… يرجع للبيت مُتعَب، مو من الشغل… من الحرب الداخلية.
يگعد يم نافذته، يشوف ضو الشارع، ويسأل الله بصوت ما يسمعه غيره:
“يا رب، إذا أنت قابل توبتي… قوّيني.”
---
يوم جمعة…
راح يصلي بالجامع لأول مرة من شهور طويلة.
ناس المحلة كلها تشوفه.
نظرات نصها استغراب… نصها استنقاص.
وقف بالصّف الخلفي.
يحاول يخفض راسه حتى ما يحس إنه مركز اهتمام.
بس أول ما بدأ الإمام يقرأ:
﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾
الكلمة قطعت قلبه نصين.
“ألم يأنِ…”
كأنها سؤال موجه إلـه مباشرة.
انحنت روحه.
دمعته نزلت قبل ما يلحق يمسحها.
وكل المصلّين لاحظوها… الكل.
وبدأ الهمس:
“سيف يبچي؟!”
“صار شيخ صدگ!”
“نهاية الدنيا…”
لكن سيف… ما همه.
ذاك اليوم حس لأول مرّة إن قلبه ينغسل.
مو نظيف… بس يتحسن.
---
بعد الصلاة، طلع من الجامع ويتوقع أحد يگوله كلمة طيبة…
لكنه شاف “أبو عواد”، الرجل الكبير اللي كان يكرهه زمان، ينادي عليه بصوت عالي:
“تعال يمّي يا ولَد… كلامي وياك.”
سيف وقف.
خاف.
استحى.
قلبه ضرب ألف ضربة.
وصل له… وأبو عواد گاله:
“شوف يا سيف…
الله إذا قبل توبة واحد، البشر ما يملكون حق يرفضوها.
إنت غلطت؟ كلنا غلطنا.
بس أنا شفت ضوتك اليوم… مو ضو وجهك، ضو صدرك.”
حس سيف إن الكلمات صارت بلسم… مثل يد خفيفة على جرح قديم.
أبو عواد كمل:
“إلزم طريقك. حتى لو كل الناس وقفت ضدك. الله ما يضيع واحد يرجع له.”
سيف رد بهدوء:
“أدري… بس ضعيف.”
أبو عواد ابتسم:
“ويا ربك… حتى الضعف يصير قوة.”
---
من هذيك اللحظة… صار عند سيف أوّل “سند” حقيقي بطريق التوبة.
بس كل خطوة قدّام… كان لازم يدفع ثمنها بشيء من روحه.
الحياة ما كانت رحيمة.
بس الله كان قريب.