الحلقه الاولى
[الروايه بثواب ابوي]
––– بداية الرواية –––
المدينة قبل الفجر تكون غير شكل… هدوء ثقيل، والهوى كأنه يباوع على البشر ويحسب أنفاسهم.
وهناك، بزاوية ضيقة من المحلة، كان “سيف” يمشي ورأسه محني. رجل عمره عشريناته، بس شكله أكبر… مو لأن الزمن مرّ عليه، لا، لأن المعاصي تاخذ من الوجوه أكثر مما ياخذ العمر.
سيف كان معروف بالغيبة، بالكلام السيّئ، بالسهرات، وبالذنوب اللي ما يحب حتى يذكر اسمها.
يكول عن نفسه: “أنـي تلوثت.”
بس الناس… الناس كانوا يشوفوه كأنه ضايع بلا أمل.
ليلة معينة تغيّر كل شي.
مو حلم… مو صدمة… مو حب… لحظة صغيرة جداً: وفاة شخص ما كان يحسب حسابها.
كان واقف يم باب البيت يسمع صياح النسوان، ووسط الفوضى شاف الجثمان ملفوف بكفن أبيض. أول مرة شاف الموت قريب هالدرجة… حسّ روحه تنسحب من صدره.
سأل نفسه:
“وإذا يومي يجي هسه؟ شراح أگول؟ شراح أقدم؟”
رجع للبيت، سكر الباب، طفى الضوء، وبقى وحده. الظلمة كانت ثقيلة… كأنها تسأله وتقطع عليه الهروب.
فجأة، بدون ما يخطط، بدون ما يفكر، صارت كلمة تجر كلمة، وطلع صوته يرتجف:
"ربّ اغفر لي…"
وكررها.
مرة.
مرتين.
عشرة.
إلى أن نزل على ركبتيه وبكى… مو بكاء ضعف، بكاء واحد عرف إن عمره كله كان غلط.
فتح القرآن اللي متروس غبار… وگلب صفحات عشوائي… ووقف على آية:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾
الكلمة ضربته بقلبه.
“أسرفوا”… يعني مثله تماماً.
“لا تقنطوا”… يعني بعدني أقدر أرجع.
من تلك الليلة، بدأ يترك ذنب… ذنب… ذنب.
مو بيوم واحد، وما سواها ملاك. بس كل يوم أحسن من اللي قبله.
كان يگول لنفسه:
“أنت مو طاهر… بس أنت تحاول. وهذا يكفي عند الله.”
صار يسمع آيات وهو يشتغل.
﴿ إن الله يحب التوابين ﴾
﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾
﴿ وما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾
كل آية تخلي روحه تتهوى مثل مي بارد ينزل على جرح قديم.
وعرف شغلة مهمة:
الناس تحاسبك على ماضيك… الله يحاسبك على نيتك اليوم.
الرواية راح تمشي ويا سيف بكل طريق توبته، بكل سقوط يعوف أثر، بكل اشتياق لله، بكل امتحان جديد… إلى أن يتحول من رجل مذنب… إلى رجل يعرف معنى الرحمة.