الفصل الخامس : الدهام والمرجان
وقفت ميس، وقد كانت تنوي الانصراف، قبل أن تلتفت إلى الشيخ أَمْنان وتُعرِّف بنفسها بثباتٍ خافت:
"أنا ثُريّا بنت ناصر مرجان."
اتّسعت حدقتا عين الشيخ قليلًا، ليس فقط لأنها ابنة رئيس القبيلة، بل لأن شيئًا آخر مرَّ في أعماقه أثار قلقًا دفينًا.
وفي اللحظة التي كانت تستعد فيها للخروج، ناداها أَمنان بصوته المتهدّج:
"أتمنى أن تزوريني مرةً أخرى… سأبحث لك عن بعض المخطوطات المتعلقة بما جئتِ تسألين عنه."
اكتفت ميس بهزّة رأسٍ خفيفة، وهمست بكلمة شكر، ثم خرجت.
كانت الأم تنتظر عند الباب، وبمجرّد أن رأت ثريا تقدّمت نحوها بقلقٍ ظاهر، تسألها عمّا قاله الحكيم بشأن جرح معصمها.
أجابت ميس باقتضابٍ كعادتها، ومن ثمّ سارتا معًا في طريق العودة.
وبينما كانتا تقتربان من المنزل، توقّفتا فجأة.
فارسٌ على حصانٍ داكن السواد كان قد اعترض الطريق، ونزل عن سرجه بخفّة رجلٍ معتاد على السلاح والخيل.
كان ذلك أبلج.
ميس لم تعرفه شخصيًا، ولم تره من قبل، لكنها سمعت باسمه.
أما الأم فقد شحب وجهها، وانقبض صدرها بقوّة… وسؤالٌ واحدٌ دوّى في داخلها:
هل كان في بيتهم قبل قليل؟ ولماذا؟
تقدّم أبلج خطواتٍ ثابتة، وكل حركة فيه توحي بصلابةٍ ووضوح.
وقفت ميس تراقبه بصمتٍ ثقيل، مزيجٍ من الحذر والدهشة.
سألها بصوتٍ منخفض:
"كيف حالكِ الآن؟"
ومرّت في ذهن ميس فكرةٌ غريبة، تمتمت في أعماقها:
هل كان هذا الرجل يعرف صاحبة هذا الجسد؟ يعرف ثريا؟
نظرت بطرف عينها إلى الأم، فوجدتها تتلفّت يمينًا ويسارًا كأنها تبحث عن مهرب، أو تُخفي شيئًا تخشاه.
أجابت ميس بهدوء:
"أنا بخير."
اكتفى أبلج بإيماءة قصيرة قبل أن يضيف:
"لقد فهمتُ القصة من والدكِ… وأرجو ألا تُثقلي على نفسكِ بالعمل إلى هذه الدرجة."
عقدت ميس حاجبيها.
لم تفهم ما الذي يعنيه بالضبط، ولا متى تحدّث مع والد ثريا.
لكن الأم أسرعت بالتدخل، وأمسكت ذراع ميس بقوّة غير متوقّعة، قائلةً بنبرةٍ متوترة:
"نشكر اهتمامك يا ايها الفارس أبلج… لكن علينا العودة الآن."
ثمّ جذبت ميس نحو الطريق دون انتظار جواب.
وبينما كانت ميس تُقاد للأمام، التفتت بعينيها فقط إلى الخلف.
تأمّلت ملامحه للحظةٍ خاطفة قبل أن تُتمتم في نفسها:
"إذًا… هذا هو أبلج."
ما إن دخلا باحة المنزل حتى انفجرت الأم بصوتٍ مكتومٍ أقرب إلى العتاب المرتبك:
"ثريا… بالله عليكِ! ألم تقولي إنك لا تحبينه؟ ولا تريدين الزواج منه؟ كيف تقفين أمامه هكذا ؟"
ثم خفَضت صوتها، وكأن الخوف نفسه يمسك بها من كتفيها:
"هل يُعقل… أن يكون أبلج لا يزال مصرًّا على هذه الزيجة؟ هل كان يتحدّث مع والدكِ… حقًّا؟"
لكن ميس لم تُعر كلامها أي اهتمام.
سحبت ذراعها من يد الأم ببرودٍ تامّ، ودخلت إلى الداخل بخطواتٍ محسوبة.
لم يكن الزواج، ولا أبلج، ولا خوف الأم يعني شيئًا بالنسبة لها الآن.
ما يشغل عقلها حقًا كان سؤالًا واحدًا يتردّد في رأسها:
كيف ستقضي الأيام القادمة داخل هذا الجسد، بينما تنتظر ما وعدها به أَمنان؟
وهل سيكون صادقًا فعلًا… أم أنها علّقت آمالًا على سراب؟
_______
كانت ميس جالسةً أمام النافذة الحجرية الصغيرة، ووجهها نصف غارقٍ في ضوء النهار الذي بدأ يميل نحو الاصفرار. كانت تحدّق في الخارج دون أن ترى شيئًا حقًّا؛ إذ كان عقلها منشغلًا بمحاولة ترتيب ما انفرط من الأحداث داخل رأسها.
تعرضها للقتل… ثم استيقاظها داخل جسد فتاةٍ أخرى…
فتاةٍ انتحرت هربًا من الزواج من فارسٍ اختاره لها والدها، زعيم قبيلةٍ كاملة.
كتلة الأفكار بدت ثقيلةً أكثر كلما مرّت اللحظات.
تمتمت ميس في داخلها:
"أيمكن أن تكون ثريا… قد تجسّدت في جسدي أنا؟"
اعتدلت جالسةً، كأن السؤال نفسه أيقظ شيئًا غفل عنه عقلها.
لماذا لم تفكّر في هذا الاحتمال من قبل؟
إن كان ما حدث لها انتقالًا غامضًا عبر الزمن، فهل من الممكن أن يكون ما حدث لثريا انتقالًا معكوسًا؟
هل يُعقل أن ثريا تعيش الآن في سنة 2025؟
هل تعيش في جسد الطبيبة ميس؟
شعرت بقشعريرةٍ باردة تسري في كتفيها.
ما الذي يجري هنا حقًا؟
هل هي ظاهرةٌ طبيعية؟ صدفةٌ خارقة؟ قوةٌ كونية مجهولة؟
القمر… القمر!
هل كان القمر ظاهرًا تلك الليلة؟
لم تتذكر.
لم ترَ السماء أصلًا.
كانت منشغلة بالعودة الى بيتها… وبالألم… وبالدماء.
رفعت يدها إلى رأسها، تُمرِّر أصابعها في شعرها بقلقٍ متزايد.
هي تحتاج إلى كتب.
إلى مراجع.
إلى أي شيء يربط هذا اللغز ببعضه.
مخطوطات، أوراق، نقش… أي شيء.
كانت على وشك أن تنهض حين فُتح الباب على مهل، ودخلت إحدى أخوات ثريا… فتاةٌ في منتصف عمر الشباب، ملامحها تحمل قلقًا لطيفًا.
رفعت ميس رأسها بسرعة، وسألت قبل حتى أن تتبيّن من هي:
"هل توجد مكتبة في القبيلة؟ أي مكان تُحفظ فيه الكتب؟"
تفاجأت الأخت من السؤال، لكنها لم تُظهر استغرابًا كبيرًا.
ومع ذلك، لم يكن جوابها له علاقة بما سألت عنه ميس.
قالت بلهجةٍ هادئة لكنها جادّة:
"والدنا يطلبكِ الآن."
_______
دخلت ميس إلى الغرفة حيث كان بن ناصر جالسًا، ولكنه هذه المرة لم يكن وحده. كانت زوجته وبناته الأربع مصطفّات حوله، كلهن واقفات، بينما هو يجلس على وسادة مريحة، متكئًا بكامل ارتياح… مشهد لم يرق لميس، لكنه لم يعد غريبًا عليها.
لم تحب فكرة أن يجلس وحده بينما تُترك كل النساء واقفات، لكنها قررت تجاهل هذا الانطباع لتحسم الأمر سريعًا.
وقفت أمامه وسألته بنبرة هادئة:
"ما الذي تريده؟"
ضيّق بن ناصر عينيه قليلًا… ربما لم تعجبه نبرتها، أو ربما لم تعجبها نظرتها أصلا .
لكن الأم سارعت إلى التدخل، تقترب منه وتهمس:
"الفتاة ليست بخير… ما حدث ليلة البارحة لم يكن هيّنًا عليها فسامحها يابن ناصر"
ورغم ذلك، بدا واضحًا أن بن ناصر لا يهتم إطلاقًا بما تمر به. لم يسأل، لم يستفسر، ولم يتوقف عند الأمر.
كان كل ما يعنيه الخبر الذي وصله صباحًا… الخبر الذي بدا سعيدًا جدًا بإعلانه.
رفع رأسه وقال بصوت يحمل نبرة انتصار:
"أبلج لم ينسحب… ولا يزال مصرًّا على هذه الزيجة."
ثم بدأ يمدح نفسه بفخر شديد، يتحدث عن حكمته وقدرته على إقناع أبلج، وكأن الأمر إنجاز بطولي.
كان يؤكد ويكرر أنه لن يسمح لأحد أن يتحدث عن ابنته قائلًا إنها "قتلت نفسها" أو "تمرّدت على أوامره".
فالسمعة أولًا… دائمًا.
ثم التفت إلى ميس وقال كأنه يعلن حكمًا نهائيًا:
"فلتستعدّي… بعد غدٍ ستذهبين إلى بيته."
زفرت ميس بملل شديد.
إلى متى؟
ابنتك حاولت الانتحار، وما زلت مصممًا على تزويجها… أي عقل هذا؟
وفكرت بسخرية مُرّة:
«كم كانوا في الماضي يحبون التكاثر أكثر من أي شيء آخر…»
لاحظ بن ناصر صمتها، فسأل بحدة:
"هل سمعتِ ما قلت؟"
أجابته ببرود:
"أنا لا أريد الزواج."
نظر إليها بازدراء، وقال بنبرة قاسية:
"وهل سألتك عن رأيك؟"
ثم أضاف مهددًا:
"ومن الآن فصاعدًا، إن رغبتِ في أن تموتي مرة أخرى… فافعلي ذلك بعيدا ... في قبيلة الدهام. أمّا هنا، في قبيلتي، فلن أسمح بأن يُقال إن امرأة منّا قتلت نفسها !"
قبيلة الدهام؟
تساءلت ميس في داخلها بحيرة:
من هم هؤلاء؟ قبيلة أخرى؟
كان غضب بن ناصر يتصاعد تدريجيًا، فالتفت إلى زوجته قائلاً:
"اذهبي وجهّزي أشياءها… وتأكدي من إحكام ربطها هذه المرة. لا أريد أي مشكلة. لقد أقنعتُ أبلج اليوم… لكنه قد لا يصدقني مرة أخرى."
أما ميس، فلم تكن تعلم أن بن ناصر مصمم بالفعل على تزويجها… أو بالأحرى، على تزويج ابنته ثريا.
وأنها، دون أن تدري، أصبحت جزءًا من لعبة لا تفهم بدايتها ولا نهايتها.
______
كان الليل قد أسدل ستائره على مضارب القبيلة، والبرد يزحف ببطء نحو الغرفة التي تجلس فيها ميس وحدها. كانت تجلس على وسادتها، ظهرها مسندٌ إلى الجدار ، وذهنها مشغول بالفوضى التي عاشتها منذ عودتها إلى الحياة. لم تألف رائحة المكان، ولا صمت الليل الذي لا يقطعه سوى نباح بعيد أو صهيل حصان مربوطٍ قرب المدخل.
وبينما كانت غارقة في شرودها، فُتِحَ باب الغرفة ودخلت اثنتان من الأخوات الأربع. كان واضحًا أن هناك حديثًا ينوين قوله، فملامحهما متحفّزة ونبرتهما محمّلة بالضيق.
قالت إحداهما — وهي تضع يدها على خصرها تهزّها بضيق:
"ثريا… لا تظني أنّكِ جرحتِ نفسكِ وعدتِ من الموت لتتهرّبي من الأعمال. طوال هذا اليوم لم تفعلي شيئًا، ونحن تعبنا."
أومأت الأخرى برأسها موافقة، وعلى وجهها نظرة استنكار صامتة.
لكن ميس، بثباتٍ لا يشبه ثريا التي يعرفونها، صدمتهم بسؤالٍ لم يتوقعوه:
"من هم الدهام؟ وكيف هي قبيلتهم؟"
تبادلت الأختان النظرات، واقتربت إحداهما خطوة، تسأل بريبة:
"ولماذا تسألين عنهم؟"
ميس لم تدرك سبب التوتر الذي ظهر فجأة على وجهيهما، فأجابت ببساطة:
"ذلك الرجل… والدي… ذكرهم اليوم، فأردت أن أعرف."
كلمة ذلك الرجل كانت كالقنبلة.
رفعت الأختان حاجبيهما معًا.
قالت إحداهما بصدمة:
"ذلك الرجل؟!"
والأخرى وضعت يدها على فمها تكتم ضحكة لم تستطع السيطرة عليها:
"لو يسمع أبونا أنّه أصبح يُسمّى ذلك الرجل… يا للمصيبة!"
ميس لم تجد الموضوع مضحكًا أبدًا. كانت تنتظر جوابًا واضحًا، لا تسلية.
اقتربت إحدى الأختين وجلست على الأرض بجانبها، وقد بدت أكثر جديّة هذه المرّة. قالت بصوت منخفض:
"قبيلة الدهام… هي القبيلة المعادية لنا، قبيلة المرجان. ولا يوجد أحد لا يعرف هذا. من الأفضل لكِ ألا تذكريهم كثيرًا، فمجرد ذكر اسمهم يثير غضب أبينا… وأهل القبيلة كلهم."
ثم مالت إليها أكثر، وهمست:
"خصوصًا… في حضرة ذلك الرجل."
ميس عقدت حاجبيها:
"ولماذا؟ ما الذي جرى بينهم؟"
تنهدت الأخت، كأنها تتحدث عن شيءٍ شديد القدم:
"الأمر يعود إلى سنين طويلة. كانت القبائل يومًا ما تعيش بسلام وتعاون، حتى وقع حادث قلب كل شيء. رجلٌ من قبيلتنا قتل رجلًا من الدهام بسبب الشرف… وقبيلتنا — كما تعلمين — تعتبر القتل من أجل الشرف بطولةً وشهامة. لكن الدهام يرونه قتلًا وجريمة، مهما كان السبب."
هزّت رأسها بعصبية وهي تكمل:
"ومن هنا بدأت الحساسية، ثم الخلاف، ثم الحروب… وتبع ذلك الخيانة والدم والدمار. ومنذ ذلك الوقت، العداء لا ينتهي حتى بعد توقيع الاتفاقية "
ميس أومأت ببطء وهي تستمع.
ثم قالت باهتمام:
"إذًا… الدهام أكثر رحمة من المرجان."
لم تكن الجملة أكثر من ملاحظة، لكنها كانت كافية لتثير الذعر.
ضربتها الأخت على كتفها بقوة وهي توبخها:
"كيف تقولين كلامًا كهذا؟! مجرد التلفظ بهذا يعتبر خيانة! رجال المرجان رجال شرف… يحمون نساءهم ويرعونهن!"
ابتسمت ميس بسخرية خفيفة:
"لم أرَ أي حماية… ما رأيته عبودية. أي زمن هذا لا يعرف قيمة المرأة؟"
تجمدت الأختان في مكانهما، كأنهما تسمعان كلامًا من عالم آخر — وهو واقعًا كذلك.
سألتها إحداهما بذهول:
"ما الذي تقولينه يا ثريا؟!"
لكن ميس تجاهلت ردود فعلهما، وسألت بنبرة جدية:
"هل توجد مكتبة في القبيلة؟"
تبادلت الأختان النظرات مجددًا.
"مكتبة؟ ولماذا؟" سألتها إحداهما.
أجابت ميس دون تردد:
"أريد بعض الكتب."
ضحكتا بصوت خافت، وكأنها قالت نكتة غريبة:
"امرأة… تقرأ؟! هذا جديد!"
لكن ميس لم تهتم، وأعادت السؤال بإصرار:
"هل توجد أم لا؟"
تنفسّت إحداهما بعمق ثم قالت:
"سمعت بوجود مكان… تُخزّن فيه الكتب والمخطوطات القديمة. لكن… لا يدخلها إلا رجال العلم وأصحاب المكانة في القبيلة."
رفعت ميس نظرها نحو سقف الخيمة، وكأنها تفكر بخطة ما…
فالقراءة، بالنسبة لفتاة من 2025، ليست ترفًا، بل سلاحًا لا غنى عنه في هذا الزمن الغارق بالجهل والقوانين البدائية.