وداع الربيع… وبوادر سرٍ صيفي
اقتربت أيام العطلة الصيفية، وانتشرت في أروقة المدرسة بذور الترقّب والفرح.
في صباح يومٍ مشمس، دخلت لولي الصفّ بابتسامةٍ عريضة، وحقيبتها خفيفةٌ كأنها تحملُ في طيّاتها أوراقاً فارغة بانتظار ما ستكتب خلال الصيف.
جلست بجانب سارة، التي تناولت قلمها فجأة وقالت بدهشة:
– “لولي… وجّهتُ لكِ رسالة في دفتر الخربشات. هل قرأتِها؟”
رفعت لولي حاجبيها، وأشارت إلى دفترها المموّه بسطوحٍ بيضاء:
– “لم ألحظ شيئاً… أم أنكِ اخترعتِ رسالة جديدة كعادتكِ؟”
ضحكت سارة وقالت وهي تلوّح بصفحة مسودة:
– “اقرئي، هناك وداعٌ وتأشيرة لغموضٍ ينتظرنا!”
فتحت لولي الصفحة وقرأتها بعفويةٍ:
“عزيزتي لولي،
إن وداعنا اليوم ليس نهاية… بل استراحة قصيرة قبل أن نبدأ مغامرة جديدة.
ابحثي عن الزهرة الحمراء في الزاوية الجنوبية من الساحة، فهي تحمل سرّ لقاءٍ في الصيف.
تحياتي، س.”
ابتسمت لولي وقالت:
– “سرّ اللقاء؟ زهرة حمراء؟ أعتقد أن سارة بدأت تحضّر لمهرجانٍ صيني!”
لكنّ الفكرة أثارت في نفسها لهيب الفضول اللطيف.
في الحصة التالية، اجتمعت ميا ودا يون حول طاولةٍ صغيرة، وتبادلتا همسات خفيفة.
لمحت لولي فراشةً ترقص فوق نافذة الصفّ، ثم توقّفت دقيقةً لتحدّق فيها، كأنّها تودّ الاعتراف بأنها ستفتقد هذه اللحظات.
اقتربت لولي منهما بسخاءٍ وروحٍ مرحة، فقالت:
– “ميّا، دا يون… الصيف على الأبواب! هل أنتما مستعدّتان للحرّ؟”
ردّت ميا بابتسامةٍ هادئة:
– “أنا مستعدة لاكتشاف أسرارٍ مخفية… أليس كذلك، دا يون؟”
نظرت دا يون للولي بعينين متوهّجتين وقالت:
– “أوعدكِ بأن لون الصيف سيكون أجمل إذا تابعنا القصة من حيث توقّفنا.”
بعد انتهاء اليوم الدراسي، خرجت لولي تجوب الساحة بحثاً عن الزهرة الحمراء.
مرت بجانب ملاعب الطابور، فتذكرت اللعب مع صديقاتها والضحكات التي صدحت بين جدران المدرسة.
لمحت أخيراً زهرةً صغيرة حمراء خلف نافورةٍ قديمة، أوراقها تلامس حجر الأرض بحنان.
انحنت لولي والتقطتها برفق، وشعرت بأن رائحة الصيف تعانقها من بين البتلات.
في تلك اللحظة، همس صوتٌ خافت في أذنها:
– “انظري…”
رفعت رأسها فوجدت نقشاً رقيقاً محفوراً على حجر النافورة:
“الرحلة لا تكْمُن في البَداية وحدها، بل في المَكان الذي يبقى في القلب.”
اقتربت لمسّته بخفة، ثم قلبت الزهرة بين أصابعها وقالت بدهشة:
– “سرّ اللقاء… ليس لقاءً بشخصٍ فقط، بل لقاءٌ مع ذكرى تبقى.”
في مساء ذلك اليوم، اجتمعت لولي مع صديقاتها تحت شجرة الصفصاف قرب السور القديم.
حملت كلٌّ منهن كوب عصيرٍ مثلّج، وتبادلن النكات عن واجباتٍ نُسيت، وعن مواقفٍ طريفة حدثت في العام الدراسي.
ثم نهضت سارة فجأةً وقالت:
– “حان موعدَ الخاتمة قبل الاستراحة! لنلتقط صورةً تذكارية.”
صوّرنَ معاً بابتساماتٍ متعبةٍ من الضحك، وعندما أغلقت عدسة الكاميرا، أدركت لولي أن الصيف لن يكون مجرد عطلة… بل فصلٌ جديد من القصة.
عادت لولي إلى منزلها تحمل في جيبها الزهرة الحمراء، ودفترها الذي امتلأ اليوم ببطاقات الوداع والرسائل الطريفة.
جلست على سريرها، واستعادت في ذهنها كل لحظةٍ ضحكت فيها، وكل همسةٍ وغامضٍ وعدتْ لها بقادمٍ أكثر إشراقاً.
كتبت أخيراً تحت تاريخ اليوم:
“نهاية الربيع ليست وداعاً… بل وعدٌ بأن لكل فصلٍ نهايةً، ولكل نهاية بدايةٌ أخرى.”
نظرَت إلى النافذة، حيث يتسلّل ضوء الغروب بلطف، كأنّه يقف ليرشقها بوميضٍ من الأمل.
“وفي قلب الوداع، يولد وعدٌ جديد.”