شيء ما لا يُقال بالكلمات
استيقظت لولي باكرًا، وقبل أن يرنّ المنبّه. نظرت إلى السقف مجددًا، ولكن هذه المرة لم يكن تفكيرها غارقًا، بل حادًا، كأن ذهنها قرر أن يتعامل مع ما يحدث بصرامة... أو بمحاولة للفهم على الأقل.
ارتدت زيّ المدرسة، نظرت إلى المرآة، لكنها لم ترَ نفسها تمامًا. كانت تنظر إلى انعكاس عينيها وكأنها تتأكد... "أنا ما زلت هنا، أليس كذلك؟"
في طريقها نحو الباب، عادت خطواتها قليلاً وتناولت دفترها الصغير، ذاك الذي أصبح أكثر من مجرد أوراق... أصبح شاهداً صامتًا على كل ما تمر به. دسّته في حقيبتها، وخرجت.
في الحافلة، لم تتكلم مع أحد. كانت تراقب الأشياء تمر: السيارات، الأشجار، الوجوه العابرة. والهدوء بداخلها كان مربكًا، كما لو أن السكون ذاته كان يتآمر ليخفي الأصوات الحقيقية.
دخلت المدرسة، وقبل أن تصل لفصلها، سمعت صوتًا مألوفًا خلفها.
— "لولي!"
استدارت. سارة، بوجهها المعتاد المليء بالحيوية، هرولت نحوها.
— "لقد أحضرت معي قطع بسكويت الكاكاو المقرمشة، تلك التي تحبينها."
ابتسمت لولي ابتسامة باهتة، وقالت:
— "شكرًا... أحتاج لشيء حلو هذا الصباح."
دخلتا الفصل معًا، وما إن جلستا، حتى دخلت ميا... صامتة كعادتها، ولكن خطواتها كانت موزونة بطريقة لا تُشبه أي شخص آخر في المدرسة. وكأن الأرض تعرفها... وتفسح لها الطريق.
لاحظت لولي أنها لا تحمل حقيبة، فقط دفتر رفيع بغطاء رمادي لا يحمل اسمًا. جلست ميا بعيدًا، لكنها لم ترفع عينيها عن لولي... ليس بنظرة مباشرة، بل بتلك النظرات التي تمرّ على أطراف الكتف، خلف الستار.
في الحصة الأولى، بدأت المعلمة تتحدث عن درس في الفيزياء، لكن الكلمات سرعان ما تحوّلت لأصوات بعيدة. لولي كانت تراقب ميا، وميا... كانت ترسم شيئًا داخل دفترها الرمادي.
وحين سنحت الفرصة، سحبت لولي ورقة من دفترها، وكتبت عليها:
"هل تعرفين البرنامج؟ hi!6"
طوتها بخفة، ودفعتها لميا تحت الطاولة. لم تنظر ميا نحوها. فقط التقطت الورقة بعد لحظات، فتحتها، قرأتها، ثم كتبت تحتها:
"بعض الأبواب لا تُفتح من الخارج."
أعادت الورقة، وتركتها على طرف طاولة لولي. شعرت لولي بقشعريرة ناعمة تمرّ في أطراف أصابعها.
"ما معنى هذا؟ هل تعرف؟ هل كانت... فيه؟"
في وقت الراحة، قررت لولي ألا تضيّع الفرصة. اقتربت من ميا وجلست بجانبها في ظل الشجرة الخلفية، حيث قلّما يجلس أحد.
— "ميا... هل أنتِ مثلـي؟"
سألتها بصوت منخفض يكاد لا يُسمع.
أجابت ميا دون أن تنظر إليها:
— "لستُ متأكدة... نحن نتغيّر، أليس كذلك؟"
سكتت لولي قليلاً، ثم أخرجت دفترها وفتحته أمامها.
— "هل ترين هذا؟ كل شيء كتبته هنا... بدأ يحدث. أشياء لا أفهمها. رسائل. رموز. وأنتِ..."
سحبت ميا أنفاسًا طويلة، ثم قالت:
— "لأنكِ بدأتِ بالسؤال. والذين يسألون... يجدون."
نظرت لولي نحوها مباشرة.
— "هل هذه... علامة؟"
— "ربما. وربما أنتِ هي."
بعد المدرسة، قررت لولي ألا تعود مباشرة للمنزل. مشت نحو المكتبة العامة، مكان نادرًا ما تزوره. دخلت، وجلست في الزاوية الهادئة، وأخرجت دفترها.
كتبت:
"ميا تعرف. وأنا بدأت أتذكّر أشياء لم أكن أعرف أنني فقدتها. الحروف تلمع أحيانًا، والهواء يغيّر نغمة صوته. هل أقترب؟ أم فقط أغوص أكثر؟"
وقبل أن تغلق الدفتر، وقعت عيناها على شيء غريب على الصفحة المقابلة.
كُتبت جملة لم تكتبها بيدها:
"هل أنتِ مستعدة لرؤية الوجه الآخر؟"
توقفت أنفاسها. نظرت حولها. قلبت الصفحات. لكنها كانت الجملة الوحيدة المكتوبة بخط لا يُشبه خطها.
أغلقت الدفتر بسرعة، وضغطته على صدرها.
شعرت لوهلة أن الجدران تراقبها... أو تحميها. لم تعرف.
لكنها، لأول مرة منذ بدأت تلك الأحداث... لم تشعر بالخوف.
"ليست كل الرسائل تحتاج لمرسل… بعضها يُكتب حين تكونين أنتِ السؤال."