بين الجدران صدى لا يُفسَّر
عادت لولي إلى المنزل بخطى أبطأ من المعتاد.
لم تكن السماء رمادية، ولا الطقس غريبًا.
لكن في داخلها… شيءٌ لم يعد كما كان.
دخلت، ووجدت البيت صامتًا على غير عادته.
وضعت حقيبتها بجوار الباب، وخلعت حذاءها بحركة آلية، ثم مشت بخفّة نحو غرفتها.
كانت الغرفة كما تركتها، إلا أن دفتر ملاحظاتها لم يكن في مكانه.
تقدّمت نحوه، لم تجد شيئًا غريبًا عليه، سوى شيء صغير ومرعب في بساطته:
صفحة مفتوحة، عليها كلمات كتبتها سابقًا:
"إن كان يجب أن أبدأ… فأعطوني علامة."
لكن تحت الجملة، هناك خط جديد، بخط غير خطّها.
كان رقيقًا، مائلًا، وكُتب بقلم لا تملكه:
"العلامة لا تُعطى… بل تُكشَف."
جفّ حلقها.
أمسكت الدفتر، قلبت الصفحات بسرعة، تبحث عن أي أثر، أي تفسير…
لكن لا شيء.
فقط تلك الجملة…
جملة لا تعرف كيف وصلت، ولا من كتبها.
جلست على سريرها، تحدّق في الفراغ.
هل دخل أحد غرفتها؟
هل ميّا…؟
لكن كيف؟
رفعت رأسها فجأة كأنها سمعت صوتًا… صوت همسة، ليس من العالم الخارجي، بل من داخل عقلها:
"ابحثي عن النمط… الحروف، الأرقام، الأصوات… كلّها تقول أكثر مما يظهر."
ارتعشت.
نهضت واقفة، وخرجت من الغرفة نحو المطبخ.
كل شيء طبيعي.
لكن "الطبيعي" لم يعد يعني شيئًا الآن.
في المساء، جلست على مكتبها، فتحت دفتر الرسم.
كانت بحاجة إلى الهروب… إلى الألوان والخطوط التي لا تطلب منها تفسيرًا.
بدأت ترسم وجهًا… ملامحه ضبابية، لكن عينيه واضحتان.
ثم يدًا… تمتد نحو شيء ما، كأنها تطلب أو تعِد.
وقبل أن تُنهي اللوحة، شعرت بشيءٍ غريب.
العينان اللتان رسمتهما… بدتا مألوفتين.
وكأنها رأتهما اليوم… في وجهٍ بشريّ.
ميّا؟
هل هذه هي العلامة التي تنتظرها؟
ليس حدثًا… ولا حلمًا… بل شخصًا؟
أو ربما، كانت نفسها… هي العلامة.
الليل تسلّل بهدوء.
وفي زوايا الغرفة، تسكن تلك الفكرة:
"ما يحدث ليس صدفة… بل سلسلة بدأَت منذ زمن، تنتظر فقط من يفتح الباب."
"الهدوء ليس نهاية، بل بداية لصوتٍ أعمق..."
ولولي، كانت تسمع ذاك الصوت الآن… من الجدران، من الرسمة، من الدفتر… ومن ميّا.