وجه يشبه الجواب
لم تكن لولي تعرف إن كانت الأمور فعلاً تتغير… أم أن عقلها صار يبالغ في ملاحظة التفاصيل.
لكنها لاحظت أن وجود "ميّا" منذ الأمس، لم يكن مجرد وصول طالبة جديدة.
كان كما لو أن الصفحة البيضاء التي كتبت عليها "أعطوني علامة"... قد استجابت.
استيقظت لولي في صباح هذا اليوم وهي تشعر أن الغرفة أهدأ من المعتاد.
كأن الهواء يتنفس معها.
كأن كل شيء ينتظر، مثلها.
ارتدت ملابسها ببطء، رسمت خطًا خفيفًا بقلم الرموش دون أن تفكر، ثم وقفت أمام المرآة.
تأملت انعكاسها…
ورفعت حاجبيها:
– وش فيني؟ ليه أحس إن فيه فيلم يشتغل وأنا البطلة؟
ضحكت بخفة، ثم خرجت.
في الحصة الأولى.
المعلمة كانت تتحدث عن قوانين الفيزياء، لكن عقل لولي كان يعمل في اتجاه آخر تمامًا.
كانت تحدّق في دفترها، ترسم دوائر صغيرة، ثم تخربش فوقها.
لم تكن منتبهة حتى قالت المعلمة:
– لولي؟ أجاوبيني.
رفعت رأسها فورًا:
– أنا؟
– إيه، منو غيرك؟ عطيني مثال على "الطاقة الكامنة".
نظرت لولي إلى سارة طلبًا للاستغاثة.
سارة كانت على وشك أن تختنق من الضحك.
فقالت لولي، بنبرة مرتجلة:
– يمكن… يمكن طالبة جديدة ما نعرف وش مخبّية؟
ضحكت الطالبات، حتى المعلمة ابتسمت وقالت:
– ذكية، بس ما تنفع جواب علمي.
ضحكت لولي، لكن عقلها… لم يضحك.
فكرت:
"ميّا… طاقة كامنة؟"
الحصة الثانية.
كانت ميّا كالعادة، صامتة. تجلس في أقصى يسار الصف، وتفتح دفترها بلطف كأنها تخاف أن تؤذيه.
لكن لولي، اليوم، قررت أن تراقب أكثر.
كانت تكتب شيئًا… دائمًا تكتب.
وفي لحظة خاطفة، استطاعت لولي أن تلمح من بعيد ما كُتب في أعلى الصفحة.
كُتب:
"6"
رقم فقط.
لكن…
عين لولي اتسعت.
شعرت بوخزة صغيرة في صدرها، نفس الشعور الذي أحست به حين كتبت عن العلامة.
نفس الرقم المرتبط بـ "hi!6".
نفس الرقم الذي كاد يغير كل شيء.
ميّا أغلقت الدفتر فجأة… وكأنها لاحظت أنها تحت المراقبة.
وقت الفسحة.
قالت سارة:
– شكل ميّا تكتب رواية بوليسية.
لولي لم ترد، فقط اكتفت بنظرة طويلة نحو ميّا.
تذكّرت أحلامها الغريبة.
تذكّرت الأصوات الغامضة في الليالي.
وتذكّرت… أن كل شيء بدأ يظهر بعد أن كتبت الجملة في دفترها.
"إن كان يجب أن أبدأ… فأعطوني علامة."
والآن…
وجه ميّا، دفتر ميّا، نظرات ميّا…
كلها تشبه الجواب.
المساء.
جلست لولي على سريرها، تراقب الضوء الخافت القادم من نافذتها.
أخرجت دفترها، قلبت الصفحات، توقفت عند صفحة "العلامة".
أخذت قلمها، وكتبت تحتها بخط صغير جدًا:
"هل العلامة… كانت إنسانة؟"
ثم أغلقت الدفتر، ونامت.
وفي حلمها…
لم ترَ شيئًا.
لكنها سمعت جملة واحدة تتكرر، بصوت لم تعرف مصدره:
"أحيانًا، الجواب يمشي على قدمين."
"الهدوء ليس نهاية، بل بداية لصوتٍ أعمق..."
وصوت لولي الداخلي… بدأ يعلو.