الدائرة التي تكبر
استيقظت لولي قبل أن يعلن الديك بداية يومه المعتاد، كأنها تملك موعدًا مع غموض جديد لا يُرغب بتأجيله. فتحت النافذة لتستنشق نسمات الصباح الباردة، وأغمضت عينيها لثانية، تهمس لنفسها:
"هل سأتمكن يومًا من فهم هذا اللغز؟ أم أني سأظل ألتف في دوامة لا نهاية لها؟"
وضعت كوب الشاي الحليب على الطاولة، تأملت في رغبته القديمة أن يكون هو الحل لكل شيء. لكنها سرعان ما ضحكت بخفة:
"شاي بالحليب؟ يا لولي، حتى كوبك يلبس زيّ الساذج البريء، وهو يعلم كل شيء."
أمسكت بدفتر الرسم، صفحة بيضاء تحدق فيها كمرآة تنتظر أن تعكس أسرارها. أمس كانت تلك الصفحة تحمل كلمة "hi!6"، واليوم بدا وكأنها تنتظر أن تُملأ بأشياء تفهمها. رسمت دائرة صغيرة على الحافة، ثم أضافت ثلاث خطوط عشوائية، وبدأت تتحدث بصوت منخفض:
"الدائرة تكبر، لكن هل هي تحيط بي، أم أنا من أحاصرها؟"
كان الوقت يمر ببطء، وكان كل شيء هادئًا إلا أفكارها التي تضج كمدينة في وقت الذروة. فجأة رن الهاتف، فزعت قليلاً ثم تذكرت أنه مجرد رسالة من سارة:
"شو أخبارك؟ راح أكون عند المدرسة، محضّرة لك مفاجأة!"
ابتسمت لولي، فكرت كيف تكون المفاجآت المدرسية، وهل ستتعلق بالدوائر الغريبة أم بشيء أبسط مثل الواجبات المتراكمة.
في المدرسة، التقت بسارة التي كانت تحمل كيسًا صغيرًا. همست لها وهي تضحك:
– "تعرفي، دائرتك الغامضة صارت حديث الصف."
– "حقًا؟ وهل صار في دائرة للفضول عشان أقدر أعرف شو الناس بيقولوا؟"
ضحكت سارة وقالت:
– "لا، بس في شيء أغرب. الأستاذة قالت إن اليوم هو اليوم السادس من الشهر، وكأنه بداية جديدة. جربت تسألي عن الرقم ستة؟"
شعرت لولي بقشعريرة تسري في جسدها، وكأن الرقم الستة صار له صوت يصدر نغمة غريبة في أذنيها. ردت بفلسفة:
"الرقم ستة... هل هو مجرد رقم، أم هو رمز لحل لم يُكشف بعد؟ أم أن كل ما أراه مجرد تداخلات بين الحقيقة والخيال؟"
فجأةً، دخلت الأستاذة مبتسمة تحمل كتابًا قديمًا، وقالت:
– "اليوم سنتحدث عن الرموز القديمة، وكيف يمكنها أن تحمل أسرارًا أعمق من مجرد شكل أو رقم."
جلس الجميع بتركيز، بينما لولي كانت تعيش داخل كلمات الأستاذة، ترى أن الرموز ليست مجرد علامات، بل مفاتيح لعوالم أخرى.
بعد الدرس، جلسوا في الفسحة تحت شجرة الصفصاف، وبدأت سارة تتحدث عن خرافات الرقم ستة، وكيف يرمز للكمال في بعض الثقافات، وللفوضى في أخرى. لولي ضحكت:
"يعني يا سارة، الرقم ستة هو إما بطل القصة أو شريرها، بس مهما كان، أكيد مش بس رقم ممل!"
ثم تذكرت شيئًا، وقالت بنبرة خفيفة:
"هل فكرتِ لو كان الرقم ستة هو فقط اسم سرّي لسوبر ماركت في عالم آخر؟"
ضحكوا جميعًا، لكن لولي شعرت في داخلها أن هناك أكثر من مجرد نكتة. الدائرة التي ترسمها لم تعد مجرد خطوط على ورقة، بل خريطة طريق لعالمها الذي يزداد تعقيدًا.
عادت لولي إلى البيت مساءً، وجلست في غرفتها، أمام دفتر الرسم. رسمت دائرة كبيرة، داخلها رقم ستة بالخط الصيني، وأضافت حولها دوائر صغيرة ترمز لأفكارها المتناثرة. همست:
"أنا هنا الآن، في وسط دوامة لا تتوقف، وكل حلقة تحكي قصة جديدة. هل سأجد نهايتها؟ أم أن النهاية هي أن أتعلم كيف أرقص داخل الدائرة؟"
أغلقت الدفتر بابتسامة حزينة، وأطفأت النور، تاركة لنفسها فرصة لتنام، وربما، فقط ربما، لتحلم بعالم لا تعرف فيه معنى الرقم ستة، بل فقط معنى الحرية.