المبرمجة عادت - الفصل الرابع: القبلة الأولى - بقلم لولي | روايتك

اسم الرواية: المبرمجة عادت
المؤلف / الكاتب: لولي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع: القبلة الأولى

الفصل الرابع: القبلة الأولى

أخذت ليورا نفسًا عميقًا، كأن الماضي يحتاج أكسجينًا خاصًا به. لم تكن هذه مجرد حكاية، بل كانت عملية "إعادة تشغيل" للحظة البدء؛ اللحظة التي سبقت الأيقونة والمجد، لحظة "ليورا" الفتاة العادية. وبدأت الحكاية بصوت هادئ، أصبح فجأة محملاً بعبق السنين: "كنتُ فتاةً عادية، عادية جدًا، أحب الاستكشاف، أحب أن أعبث بكل شيءٍ أجد فيه زرًا أو ضوءًا. ولم أكن أمتلك شيئًا مميزًا… سوى فضولي الجامح..." أتذكر تلك الليلة جيدًا، كانت هادئة بشكل مزعج، مثل صفحات كتابٍ لم يُكتب بعد. كنتُ أتمشى في المستودع القديم لمدرستنا، لا لسببٍ واضح… فقط لأني سمعتُ إشاعة غبية تقول إن فيه مكنسة تطير. ما وجدته لم يكن مكنسة، بل… كمبيوتر قديم، مغطّى بالتراب، موضوع في زاوية كأنه منفيّ من الزمن. اقتربتُ منه، وضغطتُ زر التشغيل. ولا شيء حدث. ظننت أنه ميت، لكني لا أستسلم بسهولة. أحضرتُ شاحنًا قديمًا، حاولتُ توصيله بأسلاك مرتجلة، ضربتني شرارة صغيرة في إصبعي — وكانت هذه أول قبلة لي مع عالم البرمجة. بعد دقائق، الشاشة أضاءت. ظهرت أحرف خضراء على خلفية سوداء… كانت تقول: "مرحبًا." بساطة الكلمة، وغرابة الموقف، جعلاني أشعر أنني التقيت كائنًا جديدًا، لا آلة. منذ تلك الليلة… بدأتُ أفكر: كيف يمكنني أن أجعل هذا الشيء يتحدث أكثر؟ أن يعرف اسمي؟ أن يُعدّ لي القهوة؟ أن يكون صديقي؟ أن أفهم لغته… وأعلّمه لغتي؟ وبدأت الرحلة. رحلة من الكود الأول إلى أول آلة تخبرني صباح الخير بدل المنبّه. رحلة من الدهشة إلى العشق… من العبث إلى الاختراع. وبين كل هذا، كان هناك حلم… حلم لم أخبر به أحدًا: أن أبني آلة زمن. لكن يا لوتس… ما لم أكن أعلمه، هو أن آلة الزمن تلك… لم تأخذني إلى المستقبل، ولا إلى الماضي. بل إلى شيء آخر تمامًا. إلى هناك… حيث بدأ كل شيء حقًا. "تعلمين، لوتس… تعلم البرمجة ما كان سهلًا. لا، مش لأن الكود صعب… بل لأن لا أحد كان يأخذه على محمل الجد حين تنطق به فتاة في السادسة عشر من عمرها." كنتُ أدرس وحدي أغلب الوقت. أتسلل إلى المكتبة بعد المدرسة، أقرأ كتبًا ضخمة لا أفهم نصفها، وأطبع أكوادًا لا أعرف حتى ما إن كانت صحيحة، على جهاز المدرسة الوحيد الذي يعمل. لم يكن هناك من يشرح لي لماذا "if" لا تعمل، أو لماذا ظهرت شاشة زرقاء بعد "while true" — كنتُ أكتشف، أخطئ، وأحترق بالنار، وأعود… لأن النار كانت أجمل من البرد. ثم… جاء هو. إيوان. صديقي الوحيد آنذاك. كان غريبًا مثلي، وربما لهذا التقينا. كان يجلس خلفي في الصف، لا يتحدث كثيرًا، لكن في يوم سمعني أتمتم: "ما هذا الخطأ؟ Syntax Error؟ عن أي نحوي يتحدث هذا الجهاز؟" فابتسم — أول مرة أراه يبتسم — وقال لي: "غالبًا نسيتِ فاصلة منقوطة." قلت له: "وما أدراك؟" رد: "أنا أُبرمج أيضًا." ومنذ ذلك اليوم… لم أعد أبرمج وحدي. إيوان لم يكن يشبه أحدًا. كان هادئًا، مهووسًا بالروبوتات والفيزياء الكمية، يحمل دائمًا دفتراً صغيرًا يكتب فيه أفكارًا عن آلات لا يمكن بناؤها… أو هكذا اعتقدنا وقتها. أول من أخبرته عن آلة الزمن كان هو. ضحك في البداية، لكن بعدها قال: "لو صمّمتِ واحدة، سأكون أول من يركبها… بشرط ألا تكون بلا مقاعد." كان يؤمن بي، أكثر مما كنتُ أؤمن بنفسي. كان يقول دائمًا: "من لم يتعلم كتابة المستقبل، سيظل قارئًا للماضي." أما بقية الناس؟ كانوا يظنونني حالمة أكثر من اللازم، أو مهووسة بالتكنولوجيا. حتى بعض المدرسين كانوا يضحكون حين أسألهم عن الدوائر الكهربائية أو البرمجة المتقدمة. أذكر أن إحدى المعلمات قالت لي مرة: "هذه أشياء للكبار، يا ليورا. ركّزي في دروسك فقط." آه، لو كانت تعلم أنني الآن أُدرّس تلك الأشياء للكبار! ومع كل ذلك… لم أتوقف. تعلمتُ البرمجة بلغة C أولًا، ثم وقعت في حب Python… كنت أكتب كودًا وأتخيله مثل الشعر — فيه جملة جميلة، شرط، إحساس، ونهاية. كنتُ أقول دائمًا: "الكود ليس جافًا… الكود حيّ، فيه نبض، فيه عقل، وربما… فيه قلب." وكنتُ مصممة… أن أُري العالم أن فتاة، حتى وإن كانت "عادية"، يمكنها أن تصنع آلة غير عادية. آلة… تكسر الزمن.