الفصل الثاني: المقعد الأخير
اسمي ليان.
حين كتبت اسمي في الدفتر الجديد هذا الصباح، شعرت كأنه ليس لي. يشبهني من الخارج لكنه لا يعرفني من الداخل.
أنا أعرفني — أعرف أني أفكر أكثر مما أتكلم. أعرف أني أبتسم أكثر مما أشعر. أعرف أني إذا صعدت التل كل صباح، فلست أصعده لأن المدرسة في الأعلى، بل لأني أحتاج أن أُذكّر نفسي أني ما زلت هنا… أصعد.
المدرسة تبدو عادية… الجدران بيضاء وباب الصف موارب كأنه ينتظر أحدًا يفتحه ولا يدخله. أصوات الطلاب خفيفة لكنها كثيرة — كأن كل كلمة منهم تصطدم بكتفي قبل أن تسقط على الأرض.
أنا لا أعرف أحدًا هنا، وهم لا يعرفون اسمي.
هذا أفضل. ربما.
حين دخلت الصف، كانت الطاولات مصطفّة مثل صناديق صغيرة. لا أسماء عليها، لا علامات حجز. فقط صفوف تبتلع الداخلين إليها.
اخترت المقعد الأخير. أراه مناسبًا لي: لا أحد أمامي يسدّ رأسي عن السبورة، ولا أحد خلفي يهمس في أذني أسرارًا لا تخصّني. من هنا أرى كل شيء — ولا أحد يرى ما أفكر به.
وضعت حقيبتي بجانبي. نظرت إلى السبورة البيضاء. لم يُكتب عليها شيء بعد. الأستاذ لم يدخل. الطلاب يجلسون عشوائيًا، بعضهم يقف عند النوافذ، بعضهم يتفق على ترتيب الدفاتر الملونة.
أنا فقط أراقب. لا أحتاج أن أتحدث.
في مدرستي القديمة كنت أضحك كثيرًا. الآن أفكر كثيرًا: هل أستطيع أن أضحك هنا أيضًا؟ هل يسمحون لي؟
طفلٌ ما — ربما أصغر مني بسنة أو سنتين — مرّ قرب مقعدي، نظر إليّ بسرعة ثم أدار وجهه. كأنه خائف من فكرة أن يلتقي عيني فيجد نفسه في مكاني.
حسنا… لا بأس.
أخرجت القلم من الحقيبة. قلبته بين أصابعي. رسمت دائرة صغيرة على طرف الدفتر. أحب الدوائر لأنها لا تنكسر مثل الخطوط المستقيمة.
رفعت رأسي مرة أخرى، رأيتهم ينظرون إليّ — ليس مباشرةً، لكن بطريقة أعرفها: نظرة فضول صامتة، نظرة «من هي؟ ولماذا تجلس وحدها؟».
لا بأس. المقعد الأخير لي وحدي. هنا أتعلم من جديد كيف أكون «ليان» — ليس ليان التي رسبت، ولا ليان التي كانت تضحك وتساعد الجميع. ليان التي تصعد وحدها.
سمعت الباب يُفتح. دخل الأستاذ. حمل بيده دفترًا أسودًا وورقة بيضاء. رفع عينيه على الصف، وأنا رفعت عيني عليه.
اليوم الأول بدأ. لا أحد يعرف أني هنا لأصعد، لا لأسقط.
مرّ اليوم بطيئًا كأن الساعة في يدي تسحب عقاربها بين حين وآخر. لم يقل أحد اسمي، لم يسألني أحد من أين أتيت أو لماذا أجلس في آخر الصف.
سمعت ضحكات كثيرة — بعضها صاخب وبعضها ينطفئ بسرعة. رأيت أوراقًا تمر بين الأيادي، رسائل صغيرة كتبت فيها أسرارٌ لن أقرأها أبدًا.
كل شيء هنا يبدو جديدًا عليّ — حتى الهواء مختلف. لا رائحة لطباشير المدرسة القديمة، ولا صوت صديقتي «يارا» وهي تقول لي بعد كل اختبار: «لا تخافي… حتى لو سقطنا، سننهض.»
الآن يارا في مكانٍ آخر، وأنا هنا وحدي.
حين دقّ الجرس الأخير، نهضت ببطء. شددت حقيبتي على ظهري. رأيت الطلاب يخرجون جماعاتٍ صغيرة — كل مجموعة تحمل ضحكةً مؤقتة. كلهم غرباء، لا يعرفون أني قضيت صيفي كله أفكر بهم قبل أن أراهم.
خرجت من البوابة.
الشمس بدأت تنحدر خلف البيوت، وصوت السيارات ينساب كأنه شلال بعيد. الطريق طويل، لكنه ليس موحشًا. الأشجار تتمايل قليلًا وكأنها تلوّح لي: «عودي غدًا.»
خطوتي ثابتة لكن رأسي مليء بأسئلةٍ لا أريد لها إجابة الليلة.
حين وصلت إلى البيت، كان أخي يجلس في غرفة المعيشة، يقلب هاتفه ويقول دون أن ينظر لي:
«كيف أول يوم؟»
قلت له وأنا أخلع حقيبتي وأرميها قرب الأريكة:
«طويل… بس عادي.»
لم يرد. وأنا لم أنتظر منه شيئًا آخر.
دخلت غرفتي، أغلقت الباب، سحبت الدفتر القديم من الدرج — نفس الدفتر الذي ظننت أني لن أفتحه هذا العام. فتحت صفحة جديدة، كتبت في أعلى الورقة جملة واحدة:
«فتاة تختفي من الصف الأخير.»
تحتها، كتبت:
«كانت تجلس هناك كل يوم. تكتب أشياء صغيرة على ورقٍ لا يقرؤه أحد. وحين غابت يومًا… لم يسأل أحد أين ذهبت. ظلّ مقعدها فارغًا، كأنها لم تكن أبدًا.»
أغلقت الدفتر ببطء. نظرت إلى الحائط الأبيض أمامي. فكرت:
هل سأختفي أنا أيضًا؟
ثم مسحت الفكرة من رأسي، مثلما أمسح غبارًا عن مرآة.
غدًا… أصعد. فقط أصعد.