الفصل الأول: صيفٌ لا ينتهي
لم تكن ليان هي من اكتشف أنها رسبت. كان شقيقها الأكبر هو من طرق باب غرفتها ذلك العصر، بملامح جامدة وصوتٍ حاول أن يبدو عاديًا، لكنه فشل.
وقف عند حافة بابها، يمسك هاتفه ويقرأ من الشاشة:
«ليان… النتائج نزلت. شوفي بنفسك.»
رفعت رأسها عن دفترها — نفس الدفتر الذي تكتب فيه القصص القصيرة كلما شعرت أن الواقع يضيق صدرها. مدّت يدها، حدّقت في الشاشة.
رقم واحد ناقص، خانة صغيرة حمراء.
شقيقها انتظر أن تنهار أو تصرخ. لكنها فقط قالت:
«طيب… مش مشكلة.»
فرغ عقلها في اللحظة الأولى، كأنه كوبٌ سُكب مرة واحدة. ثم امتلأ من جديد بشيء يشبه الهواء البارد. استدارت إلى النافذة ورأت غروبًا صيفيًا طويلًا، غروبًا ظلت بعده شهورًا لا تغمض جفنها دون أن ترى تلك الخانة الصغيرة الحمراء.
لم تكمل ليان عطلتها مثل أي أحدٍ في عمرها. لم ترتّب رفوفها، لم تخطط لرحلة مع صديقات قديمات، لم تكتب لصديقتها «يارا» التي رسبت مثلها وانتقلت بعيدًا إلى مدينةٍ أخرى.
قالت لنفسها مرة وهي تمسح الغبار عن حقيبتها القديمة:
«مدينة جديدة، سنة جديدة… أصعد فيها حتى لو كل شيء قال لي انزلي.»
لهذا سمّت المدينة في رأسها: «مدينة الصعود».
مدينة جميلة في الواقع، أشجار مصفوفة بدقة على جانبي الطريق الطويل، أزهار صغيرة تحيط بالأرصفة، نوافذ متقابلة كأنها تراقب بعضها بعضًا في صمت لطيف. لكن أكثر ما يثبت اسم «مدينة الصعود» عند ليان، ذلك التلّ الطويل الذي تعبره كل صباح حتى تصل إلى البوابة الزرقاء للمدرسة الجديدة.
في أول صباح مدرسي، استيقظت قبل شقيقها. فتحت خزانتها بيدٍ باردة. ارتدت قميصًا أبيض نظيفًا، ربطت شعرها بخيوط بسيطة، وضعت دفتراً فارغًا في حقيبتها — ليس دفتر القصص، بل آخر ستحاول فيه أن تكون طالبةً «عادية».
الأم ربتت على كتفها وهي تشرب القهوة:
«ليان… إن شاء الله سنة خير، إن شاء الله تنجحين وترفعين رأسنا.»
هزّت ليان رأسها بابتسامة صغيرة:
«إن شاء الله.»
ثم خرجت.
الطريق إلى المدرسة بدا طويلاً لكنه جميل. عطر الحدائق الصغيرة يتسلل من بين الأسوار. قططٌ متفرقة تراقبها وهي تصعد، كأنها تحرسها أو تودّعها دون كلام. الهواء نظيف لكنه يلسع وجهها برفق. خطواتها فوق الرصيف ليست ثقيلة — كل خطوة كانت تقول في سرّها: «هذي السنة… أصعد.»
حين وصلت إلى قمة التل، ظهر سور المدرسة أولاً، قصيرًا لكنه عريض كأنه يحضن كل شيء خلفه. البوابة زرقاء باهتة، يعلوها اسم المدرسة بخطّ واضح لا يرحم أخطاء النحو. لا قديمة متشققة ولا حديثة تلمع، بل عادية جدًا — عادية لدرجة أن أي شيء قد يحدث خلفها.
وقفت ليان أمام البوابة لحظةً، تحاول سماع الأصوات من الداخل قبل أن تعبر: أصوات حقائبٍ تُفتح، ضحكات خفيفة، همسات تطفو مثل خيوط دخانٍ خفيف.
خطت إلى الداخل.
كانت الساحة مزدحمة بطلبة غرباء. وجوهٌ لا تحفظ ملامحها، عيونٌ لا تعرف أين تستقر، ضحكاتٌ تتقافز بينها مثل كرات صغيرة. لا أحد يعرفها هنا. لا أحد ينادي اسمها. لا أحد يتذكّر أنها كانت «ليان» التي تضحك وتساعد وتملأ ممرات مدرستها القديمة بكلماتٍ بيضاء.
الآن هي مجرّد جسدٍ آخر يُضاف إلى الزحام.
رفعت رأسها قليلاً وهي تلتفت في الساحة: طلاب يحملون دفاتر جديدة، أكياس هدايا صغيرة، أقلام ملونة. أصواتهم متشابكة، لكنها شعرت أن كل ضحكة منهم ترمي ظلّاً قصيراً خلفها، ظلّاً قد يلتفّ حول قدميها إن لم تنتبه.
شدّت حقيبتها على كتفها، تقدّمت بخطوة ثابتة نحو المبنى الرئيسي.
همست لنفسها: «مدينة الصعود… أصعد.»
ثم ابتلعتها الأبواب.