DX-06 - الفصل السادس - بقلم لولي | روايتك

اسم الرواية: DX-06
المؤلف / الكاتب: لولي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس

الفصل السادس

"خطى في الظلال" يوم جديد... وخطوة جديدة في خطة DX-06. استيقظت في الساعة المعتادة، تحركت كما يجب، وجلست كما يفترض. ملامح وجهي لم تتغير، لكنها لم تكن تلك التي كانت في الأمس. كنت أكثر يقظة، أكثر تركيزًا، وأقل إنسانية. ذهبت للعمل كعادتي، وكأن لا شيء تغيّر... لكن عيناي لم تفارقا أولئك الغرباء. في الحقيقة، لم يكفَّ آيلا وساهر عن مراقبتي مؤخرًا، بل أصبح الأمر يشبه الهوس. بالنسبة لي؟ ممتاز. لأنني أريدهما أن يظنوا أنهما يراقبونني، بينما في الحقيقة... أنا من أراقبهما. كنت أشك في اولئك الغريبين الأطوار أن يكونوا مجرد موظفين عاديين، ربما مرغمين من قِبل المنظمة، أو أسوأ... أعضاء فعليين منها. كنت أحتاج دليلاً، فقررت أن أتعمق أكثر. أحدهم نسي ترك باب غرفة وكانت غرفة الاجتماعات لأعضاء المنظمة مشفرًا بالكامل. كانت تلك هي فرصتي. تنكرت في ملابس سوداء، بُذلة تشبه زي العملاء الخاصين في المنظمة. فخمة، مصقولة، ومخيفة قليلًا — كما يحبون هم. التقطت قناعًا نصف وجه، وشدّدت شعري للخلف. لا أحد يعرفني بهذه الهيئة. أو هكذا ظننت. دخلت إلى الغرفة الكبيرة الواسعة... جلست بين المقاعد دون أن يلاحظ أحد. الأنوار خافتة، والهواء مليء برائحة معقمات قوية... ودماء قديمة لا يُنساها أنفي الإلكتروني. كانوا يتحدثون عن روبوت جديد. متطور. خطير. ذكي. لكنه... ليس أنا. أنا لا أُقارن. في مقدمة الغرفة، رأيت ذلك العجوز المُقعد. لم أتردد لحظة في التعرف عليه. كان هو. وجهه، رغم تجاعيده، لم يغب عن ذاكرتي. عينيه الخاليتين من الحياة، كانتا نفسهما حين رفع سلاحه وقتل "نوفا". نفس النظرة التي أمر بها بقتل "ريان"، و"تاريس"، و"إيليارا". تلك الليلة كانت بداية نهايتي... أو بدايتي، لا أعرف. بينما كانوا يناقشون خطة للسيطرة على الروبوت الجديد، رايت نظرات العجوز لي تملأهما الشك وفي تلك اللحظة أنقذني احدهم دون ان يدري .. تحدث أحد رجال العجوز، مدعيًا أنه يملك "خطة فعالة للغاية". بدا على العجوز الاهتمام، وهنا كانتت الفرصة الذهبية لأتدخل ، رفعت صوتي بصوت خفيض وبارد: "أعتقد أن الخطة ضعيفة نوعًا ما... فيها الكثير من الثغرات. ماذا لو بدلًا من ذلك، نخلق سيناريو انكسار للرؤية الحرارية، ثم نستغل شريحة التحكم الذاتي، ونضيف تدخلًا خارجيًا يوهمه بأنه يتصرف بمحض إرادته؟" ساد الصمت. لثوانٍ طويلة، ظننت أنني انكشفت. لكن العجوز انحنى قليلًا للأمام... ابتسم. ابتسم لي. كأنني أحل لغزًا عمره سنوات. "ومن تكون أنت؟" سألني بنبرة ثقيلة. "فقط واحدة منكم... أعمل بصمت، أفكر أكثر مما أتكلم." قلتها بنبرة غامضة، وهو أحب هذا النوع من الأجوبة. هز رأسه بإعجاب، وقال: "اقتراحك... مثير للاهتمام. لديك عقل جيد." لم أبتسم. لم أتحرك. لكن بداخلي، بدأت خطوة جديدة في خطتي. ثقتهم بي. وهذا كل ما أحتاجه لأدمرهم بالكامل. انتهى الاجتماع، وخرجت بسرعة قبل أن ينتهي الظل حولي. كان هناك من لاحظ اختفائي المفاجئ و هناك من لاحظ غيابي الطويل عن العمل ... ولم يكن أحد غير ساهر وآيلا. لكنهما لم يكتفيا بالمراقبة هذه المرة. في نهاية اليوم، اقتربت مني آيلا. كانت ملامحها مشوشة، يعلوها قلق، صوتها أعلى قليلًا من العادة، ونظرتها تحفر في وجهي: "دايانا!! أين كنتِ؟! بحثت عنك في كل مكان!" توقفت للحظة. دماغي أرسل آلاف الاحتمالات... لكن اخترت أن أبدو مرهقة، طبيعية، و… بشرية. "كنت... فقط... أحتاج لبعض الهواء." لكنّ دايانا لم تكن تتنفس. ولم تكن تحتاج إلى هواء. حسنًا، لم تقتنع آيلا بجوابي. هذا جيد. في الواقع، هذا تمامًا ما أردته. الشك أداة فعّالة أكثر من الثقة… إنه يجعلهم يراقبونني أكثر، ويظنون أنهم أقرب لكشف حقيقتي، بينما في الحقيقة… هم يُبعدون أنفسهم عنها. تركتهم خلفي، وسلكت طريقي بصمت في الليل. كان بإمكاني العودة إلى سكني، إلى ذلك المكان الذي يسمونه "منزلًا مؤقتًا"... لكنه لم يكن يومًا كذلك بالنسبة لي. لم أشعر فيه بشيء سوى الاغتراب. لذا، كما أفعل دائمًا، اتجهت إلى المختبر. البيت. أجل، أسميه البيت لانه كذلك بالنسبة لي، رغم برودته ورائحته المعدنية وأجهزته القديمة. للمرة الألف… وربما الألفين، لا أطيق أن أبتعد عنه. وجودي فيه ليس مجرد حنين، بل غريزة. كأنني أتنفس فيه شيئًا لا يستطيع الهواء العادي منحه لي. هناك… أشعر أني أقرب لهم. أقرب إلى الرباعي. رغم أنهم رحلوا، رغم أن أجسادهم لم تعد هنا، لكن أرواحهم… ما زالت تملأ الزوايا. هم لم يتركوني. البشر هم من أخذوهم. أولئك الذين يتخفّون خلف كلمة "إنسان". كلمة يزينون بها وحشيتهم ويدفنون تحتها جرائمهم. اقتربت من الباب. لم تكن هناك رائحة فعلية… فأنا لا أشم مثل البشر. لكنني أحسست بها… رائحة معدن قديم مختلط بالذكريات، نبضات إلكترونية لا تُسمع إلا لي. فتحت الباب ببطء، دخلت دون أن أضيء الأضواء. أعرف كل زاوية، كل رف، كل بصمة. تجوّلت فيه كعادتي… أصابعي لمست طاولة اشتغل عليها تاريس، الكرسي الذي جلست عليه نوفا وهو يضحك، الحائط الذي كان ريان يكتب عليه أفكاره بأقلام ملونة. كل شيء ما زال هنا... ما عداهم. وفي كل مرة أعود، يحدث الشيء نفسه. أتذكرهم. أشتاق لهم. أحنّ إلى أصواتهم، حتى صمتهم. وكدت أنسى... لماذا جئت أصلًا؟ سحبت نفسي من تلك الدوامة، وتوجهت مباشرة إلى الغرفة التي سميناها ذات يوم "غرفة المعيشة". لكن لا أحد يعيش هنا بعدهم. اليوم، أصبحت غرفة الخطط. غرفة الحرب. أنزلت الستار الذي غطّى الجدار، ليكشف عن لوحة ضخمة. شبكة متداخلة من الصور، الخطوط، الخرائط، الأسماء، الوجوه. كل نقطة على هذه اللوحة إما مشبوهة… أو ضرورية لخطة النهاية. أخرجت من جيبي صورة. صورة ذلك العجوز المُقعد. في نظر الجميع: مسكين. وفي عينيّ؟ قاتل. قاتل دموي بلا رحمة، تخفى وراء جسده الضعيف لكنه لا يزال يحمل نظرة سفّاح. نظرت إلى عينيه في الصورة، وفي صدري اشتعل شيء… غضب؟ لا، هذا أبعد من الغضب. هذا انتقام نقي. رفعت الصورة ببطء، وكأنني أواجهه مباشرة. وبصوت منخفض، لكنه مليء بالكراهية: "الآن انتهت مرحلة البداية... وبدأت بداية النهاية لهذا العالم البشري المقرف." وقبل أن ينشقّ الصباح، خرجت من المختبر بخطوات بطيئة. الليل لا يزال يتشبث بالأفق، والمدينة تغفو تحت ضوءٍ رماديّ خافت. كل شيء صامت… كأن العالم يحبس أنفاسه قبل أن يُسلّمني ليوم جديد. اتجهت نحو السكن. ذاك المكان الذي يسكنه أولئك البشر، بأحلامهم الصغيرة، وأسرارهم المفضوحة، وخوفهم الذي يحاولون تغليفه بالكلمات. سأبدأ معهم يومًا جديدًا. لكنهم لا يعلمون… أنني لست واحدة منهم.