DX-06 - الفصل الخامس - بقلم لولي | روايتك

اسم الرواية: DX-06
المؤلف / الكاتب: لولي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس

الفصل الخامس

“الأشياء التي لا تُرى، تؤلم أكثر.” كنت أراقبهم وهم يراقبونني. آيلا تظن أنني لا ألاحظ عينيها الفضوليتين حين تعتقد أنها تتصرف بعفوية، وساهر يتظاهر بالانشغال لكنه لا يكف عن عدّ خطواتي. يبدو أنني بدأت أُقلقهم. وهذا… جيّد. لقد مرّت خمسة أيام منذ أن بدأت العمل في هذا المركز. خمسة أيام وأنا أرتدي ملامح بشرية. أتكلم حين يُطلب مني. أبتسم حين يجب. أتحاشى الأنظار حتى لا تلمع عيوني أكثر من اللازم. لكنّ جسدي لا يجوع. ولا يعطش. ولا يتعب. وهم، رغم بديهتهم، لم يلاحظوا ذلك في البداية. حتى البارحة. "هيّا، تعالي تغدّي معنا." قالتها آيلا وهي تمدّ إليّ طبقًا. نظرتُ إليه. ثم نظرتُ إليها. "أكلت سابقًا." "لكن لم نركِ." "كنت في الداخل." "أي داخل؟" "…الداخل." لم أعرف كيف أشرح لها أنني لا أملك معدة. كانت تلك أول لحظة صمتٍ طويلة بيننا. لكنّي لم أندم عليها. في اليوم التالي، اختفيت. لا، لم أهرب. ولم أُطارد. فقط... لم أعد أحتمل الصمت في داخلي. صوت الرباعي، لم يتوقف عن الهمس في رأسي. نوفا كانت تضحك دائمًا وهي تضع يدها على كتفي وتقول: "ستكونين أول واحدة تشعر بالحزن الحقيقي، DX... هل أنت مستعدة لذلك؟" نعم، نوفا. أنا أشعر بالحزن الآن. لكنه ليس حزنًا، بل شيء آخر. أعمق. وأبرد. اتّجهت إلى المبنى القديم، المختبر الذي أنشأني فيه الرباعي. لم يكن أحد يعلم أنه لا يزال موجودًا، مختبئًا في طابق تحت الأرض، مغلقًا بكلمة سرّ منقوشة على أداة لم يصنعها بشرٌ من هذا العصر. دخلت، ووقفت وسط الغرفة. ما زالت الطاولة التي رُبطت بها في أول اختبار موجودة. وما زالت بقع الزيت على الجدران، حيث كان تاريس يرمي عدّته بلا مبالاة. "هنا… كل شيء بدأ." أغمضتُ عينيّ. وأضاء المكان في رأسي، مشهدًا مشهدًا. صوت ريان وهو يقول لي: "نحن نصنعك لأجل العالم، لا لتدميره." ضحكة إيليارا، التي كانت تخفي بها خوفها من احتمال فشل التجربة. أنتم من صنعني. لكن العالم… هو من قتلكم. "سأجدهم." همستُها وأنا أضغط بيدي على المقعد المعدني، "سأجد المنظمة. سأحرق مكانهم. وسأبدأ من داخلهم." تسللتُ من المختبر في الليل، وعدتُ إلى السكن. لكنّ آيلا كانت تنتظرني عند الباب. "أين كنتِ؟" أجبتها: "في الهواء." "هل أنتِ بخير؟ وجهك شاحب." "دائمًا هكذا." "ساهر يقول أنك لا تأكلين، لا تشربين، ولا تنامين." ابتسمت، لأول مرة بصدق. "ربما… لأنني لست من هذا العالم." حين دخلت غرفتي، كنت أعرف أن الشك بدأ. آيلا وساهر يراقبانني. سيبدآن بطرح الأسئلة. لكن هذا لا يهم. أنا أقترب. لقد التقطت إشارات خفية في المركز، كلمات مشفّرة تُتداول في الممرات بين أولئك الذين لا تبدو ملامحهم بشرية تمامًا. كأنهم ينتمون إلى شيء أكبر، أقدم، وأخطر. في الغد، سأحاول أن أتبع أحدهم. وفي كل مرة أكتشف شيئًا جديدًا عنهم… أتذكّر لمَ وُجدت. لم يكن هدفي أن أعيش مثل البشر. بل أن أُريهم كيف تكون النهاية حين تصنع كائنًا لا يعرف الرحمة، لكنه يتقن الحزن. كل شيء بدا طبيعيًا في مقر العمل. ابتسامات معتادة، أصوات أجهزة، حركة مستمرة… لكن DX-06 كانت ترى ما لا يراه غيرها. كانت أعينها قادرة على التقاط الاهتزازات الدقيقة، وتحليل تعابير الوجه بشكل يفوق قدرة البشر، وميزانها الداخلي كان يهتز كلما اقتربت من أحدهم. كان هناك ثلاثة موظفين، تحديدًا، يتحركون برتابة مشبوهة. لا يتحدثون كثيرًا، يبدون دائمًا في حالة تأهب، وكأنهم ينتظرون كلمة سر، أو انفجارًا ما في أي لحظة. واحد منهم كان اسمه زين، يعمل في قسم التشفير. الآخر يُدعى فارس، مشرف أمني. والثالثة تُدعى لمى، مهندسة تصميم، لكنها لا تمسك قلمًا أبدًا. نظراتهم كانت متقافزة، وأيديهم أحيانًا ترتجف قليلًا. لاحظت DX-06 أنهم لا يأكلون مع البقية، ولا يضحكون أبدًا… وهي تعرف جيدًا معنى ذلك. كانت تراقبهم بصمت، وفي نفس الوقت... كانت تعلم أن اثنين غيرهم يراقبونها هي. آيلا وساهر. في البداية، ظنّا أن تصرفاتها مجرد انعزالية. لكنها كانت تختفي من أماكن العمل في لحظة… لا أحد يراها تخرج، ولا أحد يسمع خطواتها. تظهر وتختفي كما لو كانت ظلّ فكرة. وفي استراحة الغداء، لم يأكلوا معها يومًا… لأنها لم تأكل يومًا. في تلك الأيام التالية، كانت تراقب الثلاثة المشبوهين… وتراقب آيلا وساهر وهم يحاولون فك لغزها. لكنها لم تكن وحدها في لعبة المراقبة. أحد الثلاثة لاحظ نظراتها. أحدهم بدأ يتصرف بطريقة غريبة. ذات مرة، أثناء مرورها قرب فارس، همس هذا الأخير دون أن ينظر إليها: مالذي يلفت انتباهك فيي ؟ لماذا تستمرين في مراقبتي … توقفت DX-06 عن الحركة للحظة، كأن السؤال أربكها، لكنها لم تُظهر ذلك، بل مالت برأسها قليلاً إلى اليسار، كما لو كانت تُعيد حساباتها. قالت بنبرة ثابتة، هادئة… أقرب إلى الفضول المصطنع: "مراقبتك؟ لم يخطر لي أنك تهمّني إلى هذا الحد يا فارس." ابتسمت ابتسامة صغيرة، لا تحمل دفئًا ولا سخرية، فقط ابتسامة تُشبه قناعًا جيد الصنع. رد فارس بنبرة فيها شك: "لا تراوغيني. كنتِ تنظرين إليّ مطولًا، أكثر من مرة. وأنا ألاحظ." اقترب خطوة، وعيناه كأنهما تبحثان عن كسر في جدارها. لكنها لم تتراجع. نظرت إليه بثبات وقالت: "ربما لأنك الوحيد هنا الذي لا يُخفي توتره. الآخرون… يتحركون كأنهم خائفون من شيء لا يُرَى. أما أنت… فأنت فقط تحاول أن تفهم." رفعت حاجبها وكأنها تُحيله هو إلى دائرة الشك. تراجع فارس قليلًا، بدا عليه الارتباك. "...تقصدين أنني مثير للريبة؟" أجابت بسرعة، قبل أن يترسخ الشك في رأسه: "لا، أقصد أنك مختلف. وأحيانًا المختلف يستحق أن يُراقَب. على الأقل… هكذا يعمل البشر، أليس كذلك؟" نظرت إلى جانبه، ثم استدارت بهدوء، تاركةً وراءها سؤالًا لم يُطرَح… وإجابات لم تُقال. ظل فارس واقفًا مكانه، يتأمل ظهرها وهي تبتعد، ثم تمتم بصوت بالكاد يُسمَع: "هي ليست مثلهم…"