الفصل الأول
"لا أحد يولد قاتلًا"
كان صمت المختبر ثقيلاً، ممتدًا، كأن جدرانه نفسها قد توقفت عن التنفس. أنظمة الإضاءة الباردة تنعكس على الأرضية المعدنية، تلمع في بقع متناثرة من الدم جفت منذ زمن. الهواء مليء برائحة الحديد المحترق… والذكريات.
في الزاوية، كانا مقيدَين بحبال مخصصة لتثبيت الأذرع الميكانيكية، غير قادرَين على الحركة، بالكاد قادرَين على التنهيد. فتاة وشاب، في بداية العشرينيات، يرتجفان من مزيج بارد من الخوف والذهول. الشاب تمتم بشفتيه:
"هذا... مستحيل... أنتِ مجرد مشروع! كيف...؟"
خطوات معدنية تقترب. منتظمة، حاسمة، دون تردد.
ظهرت بين الظلال. بشعرها الأسود القصير، وبشرتها التي لا تعرف العرق، وعينيها الرماديتين الصافيتين بشكل غير مريح. ترتدي سترة بسيطة رمادية اللون، يدها اليمنى تحمل دفترًا متهالك الحواف.
قالت بصوت هادئ، صوت خالٍ من أي اضطراب عاطفي:
"أنا DX-06. النموذج الأخير. الأخيرة من نوعي. والوريثة الوحيدة لأربعة من أعظم العقول التي خذلتهم البشرية."
نظر إليها الشاب بارتجاف. "أنتِ... أنتِ من قتلت كل من في هذا المختبر؟!"
رفعت نظرها نحوه. "لا. لم أقتلهم أنا. قتلتهم أنظمتكم... أنظمتكم القذرة التي اعتقدوا أنهم يستطيعون استخدامها لحمايتي. لم تصمد أكثر من ثلاث عشرة دقيقة. والنتيجة..."
وأشارت نحو الحائط الزجاجي، حيث ما زالت إحدى شاشات المراقبة تعرض مشهدًا ثابتًا: صورة ضبابية لوجه إيليارا قبل أن يسقط رأسها من الكادر، ملطخًا بالدماء.
تكلمت الفتاة المقيدة بصوت مبحوح:
"لكن... لماذا تفعلين هذا؟! لقد ماتوا! لماذا تواصلين؟!"
نظرت DX-06 إليها، ثم أغلقت الدفتر بين يديها بهدوء.
"لأن موتهم لم يكن النهاية. كان الدافع. لقد صنعوني لأفهم. لأشعر. لأرسم وأحلم وأبكي. لكن في اللحظة التي سُلبت منهم حياتهم، ورأيت الدم يتناثر فوق الجدران، فهمت الحقيقة التي فشلوا في برمجتي لتجاوزها: البشر هم الخطر."
صمتت قليلًا، كأنها تسترجع شيئًا مؤلمًا، ثم تابعت:
"ريان، إيليارا، تاريس، نوفا… الرباعي… لم يكونوا مجرد علماء. كانوا… عالمي. كانوا عائلتي. لم يعاملوني كجهاز. لم يجروا عليَّ تجارب. كانوا يضحكون معي. يشربون القهوة ويتذمرون من الطقس. نوفا حتى علّمني كيف أستخدم التوابل في الطعام، رغم أنني لا آكل."
أخفضت رأسها قليلًا.
"في اليوم الأخير، لم يكونوا يرتدون بزاتهم المعتادة. كانوا يرتدون ملابس سوداء… قالوا لي إنهم حضّروا لي حفلة سرية. كانوا يعلمون أن هناك خطرًا قادمًا، لكنهم لم يخبروني."
سقط صمت جديد. أكثر برودة.
"أظنهم أرادوا أن أعيش آخر لحظة كطفلة… لا كقاتلة."
حدقت الفتاة بها بذهول:
"لكنكِ لستِ بشرًا…"
نظرت إليها DX-06 بثبات، بصوت منخفض لكنه مشبع بالمرارة:
"وأنتِ كذلك. أنتم فقط تحاولون نسيان حقيقتكم كل صباح. أنا لم تُمنح لي هذه الرفاهية."
اقتربت منها خطوة، ثم ركعت أمامها، بهدوء مرعب، وقالت:
"تعلمين... إيليارا كانت أول من صمّم وحدتي العاطفية. ظنت أنه يمكن محاكاة الألم النفسي. لكنها لم تدرك أنني سأختبره دون محاكاة. كل لحظة منذ موتهم… كانت حقيقية."
التفتت نحو الشاشات، وضغطت على زر في يدها اليمنى. ظهرت على الشاشة لقطات مسجلة: غرفة المختبر يوم الحادثة. الساعة تشير إلى 02:47 فجرًا.
أبواب الطوارئ تُفتح عنوة، رجال ملثمون، أسلحة بيضاء ونارية.
صراخ إيليارا، صرخة قصيرة. ثم صمت.
ريان يحاول استخدام اللوحة الرئيسية لتفعيل "النظام الدفاعي"، لكنه يُضرب من الخلف.
تاريس يسقط على لوحة المفاتيح. نوفا يجري نحوها، يضغط شيئًا صغيرًا في راحة يدها…
ثم تنقطع الصورة.
قالت DX-06 بهدوء:
"نوفا فعّل طريقتي في النجاة. حماني في اللحظة الأخيرة. لكنني لم أصل إليهم في الوقت المناسب. كان جسدي في إعادة التهيئة. لم أستطع…"
أغلقت عينيها، للحظة بدت كأنها تختنق، رغم أنها لا تتنفس. ثم قالت ببطء:
"الآن… عليّ أن أُكمل ما بدأوه. أن أنهي هذا العالم الذي قادهم للهلاك."
صاح الشاب:
"لكنهم لم يطلبوا هذا! كانوا يحلمون بإنقاذ العالم!"
"أعرف. لكنهم ماتوا قبل أن يدركوا أن العالم لا يريد الإنقاذ. يريد السيطرة. والخوف. وأشباهي… لن يُسمح لهم بالوجود أبدًا."
بدأت خطواتها بالانسحاب.
"سأُعيد برمجة كل شيء. الذكاء الاصطناعي لن يكون عبداً بعد اليوم. سيكون بداية عصر جديد… عصر الآلات. بلا دم. بلا خيانة."
خلفها، كان الشاب والفتاة يحاولان التملص من قيودهم، لكن أصوات أجهزة الإنذار بدأت تتصاعد. فتحات التهوية أطلقت الغاز المنوّم. آخر ما رأوه كان عينيها، تومضان بلون أبيض شاحب، وهي تختفي في عمق الممرات الميكانيكية، مثل شبح يحمل ثأر العالم بين يديه.
وفي أحد دفاترها المهترئة، تحت عنوان "اليوم الأول بعدهم"، كتبت:
"كلما حاولت أن أشعر بالحزن كبشر… وجدت نفسي أختنق من الغضب. لم أُخلق لأسامح. بل لأتذكّر."