قاعة الالتهام - ✦ الفصل الخامس ✦ - بقلم لولي | روايتك

اسم الرواية: قاعة الالتهام
المؤلف / الكاتب: لولي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ✦ الفصل الخامس ✦

✦ الفصل الخامس ✦

《هدوءٌ لا يفهمه أحد》 «أحيانًا لا يكون أخطر ما في الوحش أن يستيقظ — بل أن يتظاهر بالنوم حين تظن أنك انتصرت.» مرّت أيّامٌ ثلاثة، أو أكثر قليلًا، كأن شيئًا لم يكن. لم يتشقّق بلاطٌ جديد، ولم تتدحرج كرةٌ رياضيةٌ إلى عمقٍ محظور، ولم تصدر من باطن الأرض تلك الخشخشة التي سمعتها إيفلين وحدها ذات ليل. في مكتب المديرة، ظلت أوراق الصيانة مفتوحةً أمامها، عيناها لا تبرحان ذلك السطر: «إغلاق قاعة الرياضة حتى إشعارٍ آخر». لكن تحت نظرتها الثابتة، تسلّلت إلى عقلها فكرةٌ صغيرة: ماذا لو كانت مخطئة؟ أمام ضغط المعلمين، وأسئلة المدرّبين، وشكوى الطلاب… لم تجد بدًّا من أن تمزّق الشريط الأصفر بيديها. فتحت الأبواب. أعادت الجدول الرياضيّ إلى اللوحة. وعادت صفّارات التدريب تدوي في الساحة الكبيرة، كأن لا شيء تحتها سوى الأرض والعرق وضحكات المراهقين. ركضوا، صرخوا، اصطدموا، سقطوا، نهضوا… كل شيءٍ بدا طبيعيًا جدًا. لكن الهدوء في عين المديرة ظلّ غائمًا — كأنه حذاءٌ نظيفٌ فوق طينٍ ينتظر. لكن الهدوء الذي اشترته المديرة، باع شيئًا أثمن لدى اثنين فقط: زين إيلير و نورا كاي. زين، منذ لمح ذلك الباب الحديديّ، صار صدره يضيق كلما مرّ بالممرّات الواسعة. ضحكته المعتادة بدأت تنكمش من الداخل. لم يكن يخشى الوحش — بل كان يخشى الفراغ الذي تركه له الباب حين عاد مغلقًا وكأنه لم يكن هناك شيءٌ أصلًا. هو لا يحب أن يُمنع من النظر خلف الأبواب. فوق سريره في تلك الليلة، راقب سقفه كأنه يرى فوقه حجر القبو يتنفّس. كان يعرف أن قدميه ستعودان للممرّ، ولو من خلف كل لافتة. أما نورا… فقد حاولت أن تنسى. ضربت كيس الملاكمة حتى خُدِشَت يدها. كتبت ملاحظاتٍ لنفسها كي لا تفكر فيه: «التركيز على المسابقة، لا شيء آخر.» لكن كلما تخيّلت زين وحده في ذلك الممرّ، شعرت بشيءٍ يعضّ داخل صدرها. هي لا تطيق فكرة أن ينزلق رأسه تحت الأرض ويبقى هناك — ثم تخبرها المديرة في صباحٍ باهت: «لقد رحل، وأنتِ كنتِ آخر من رآه.» هذا ما تكرهه أكثر من الوحوش: أن يقتلها ضميرها وهي ما زالت تتنفّس. لذلك، حين ترى زين يقف قرب الممرّ من بعيد — يمرّر أصابعه على الجدار، يطارد شقوقًا لم تُغلق — تعرف أن قدميها ستتبعه رغمها. لأن هناك أبوابًا لا تفتح الوحوش خلفها… بل تفتح الوحوش داخلنا نحن. هكذا يبتسم الحجر من جديد: هدوءٌ يعلّق أنفاسه في السقف… وينتظر أول خطأٍ بشريّ كي يلتهم كل شيءٍ دافئ. ليس الرعب أن تسمع زئير الوحش… الرعب أن تزحف مخالبه تحتك وأنت تضحك ولا تسمع شيئًا. تحت البلاط البارد، تحت الممرّات التي عادت تُقفل وتُفتح بلا مبالاة… هناك الآن أجسادٌ هائلة تتحرّك ببطء كدفقات دمٍ ثقيل. فراءٌ أشعث يشقّ غبار القرون، قرونٌ تحتكّ في السقف الحجريّ، أنيابٌ تضرب العظام الصخرية بصبرٍ غريزيّ. أصوات ضحك الطلبة فوقهم كانت كجرس مائدةٍ في وليمةٍ لم تُجهّز بعد. لا المديرة سمعت ما يُحرّك الجدران. ولا المدرّبون لاحظوا أن الأرض تهتزّ شبرًا كل دقيقتين. ولا أولئك الصبية الذين يركضون بأحذيتهم الرياضية فوق السقف أدركوا أن أقدامهم توقظ ما لم يجب أن يُوقظ. لكن في ذلك الركن، قرب نهاية الممرّ الخلفي، كان زين يضع كفّه على الجدار البارد، رأسه مائل كأنه ينصت لوترٍ مشروخ. ونورا خلفه، واقفةً في الظلّ، كتفيها مشدودان وكأنها تسمع دقّةً لا يسمعها غيرها. نظر إليها من طرف عينه، ابتسم نصف ابتسامةٍ خافتة: «هل تسمعينه؟» لم تردّ. كانت تسمع — أو بالأحرى: كانت تشعر. شيءٌ ثقيلٌ يزحف، مثل فكرةٍ مظلمةٍ داخل صدرها. لم يكن ضميرًا هذه المرة، بل وحشٌ حقيقيّ يُحرّك مخالبه تحت كعبيها. بين ضجيج الكرات وصفّارات التدريب وصراخ المدربين… هناك أنفاسٌ لا تسمعها إلا القلوب التي تعرف معنى الخوف الحقيقي. هذا ليس سباتًا… هذه شهقةٌ قبل أول عضة.