يقظة الكرة
اقترب تاريس بحذر، وعيناه تراقبان الكرة كما لو كانت تحمل إجابة غامضة عن كل ما حدث.
"هل تعتقدين أنها... ستعطينا الجواب؟" سأل، وكأنما يواجه مجهولًا أكبر من أن يتوقعه.
نظرته كانت مليئة بالتساؤلات، ولم يكن هناك وقت للإجابة الآن. بين يديهم، وبين قدميهم، كان هناك طريق لا عودة منه.
اقتربت منها ببطء، وعيناها متعلقتان بالضوء المتوهج داخلها.
في تلك اللحظة، نظر تاريس إلى وجه إيليارا — كان شاحبًا، مشدود الملامح، تغمره نظرة لم يرها فيها من قبل. لم تكن فقط الخوف، بل شيء أعمق... خليط من التوتر والدهشة، كأن ذكريات مرت فجأة في عقلها.
همس تاريس، وهو يتقدم خطوة:
"هذه... تشبه الكرة التي كانت معي."
هزّت إيليارا رأسها ببطء، ولم تجبه.
مدّت يدها نحو الكرة، لكنها توقفت قبل أن تلمسها، وقالت بصوت منخفض كأنها تحدث نفسها:
"لكنها مختلفة... كأنها تسمعنا... أو تراقبنا."
تقدم تاريس، ثم جلس على ركبتيه بجانبها. دقق في تفاصيل الكرة، وانعكاس وجهيهما في سطحها المتغير.
وفجأة، ارتجّت الكرة اهتزازًا طفيفًا، كأنها تنبض.
همس:
"إنها تتنفس..."
نظرا إلى بعضهما، ثم إلى الكرة مجددًا.
ثم... ببطء، انشقت الكرة من المنتصف، دون صوت، وانبعث منها ضوء خافت لا يعمي، بل يكشف.
ومن داخلها، خرجت شظايا صغيرة تدور في الهواء، ترسم رموزًا معلّقة لا يفهمانها، لكنها تنبض بإحساس مألوف.
قالت إيليارا، وعيناها تتبعان الرموز الطائرة:
"إنها تُظهر لنا الطريق... لكنها لا تجبرنا."
سكت تاريس قليلًا، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
"هذه المرة... لا عودة. إما أن نفهم ما تريده منا، أو نضيع كما ضاعت كل العوالم من قبل."
بدأت الرموز تتجمع، وكأنها تكتب شيئًا في الهواء أمامهم.
كان الضوء يزداد، والهواء من حولهم يثقل.
قالت إيليارا:
"انظر... إنها تفتح شيئًا..."
لكن قبل أن تكمل، التمعت الأرض من تحتهما فجأة، وانشقّ جزء من البوابة الصخرية، كاشفًا سلّمًا ضيقًا ينزل في عمق الأرض.
نظر كل منهما للآخر، ثم إلى السلم.
لم يقولا شيئًا.
فقط تبادلا نظرة صامتة، ثم بدأت إيليارا تنزل أولًا...
وتبعها تاريس، حاملاً في قلبه صدى الضوء، وهمسًا غامضًا ظل يردد داخله دون أن يعرف مصدره:
"احمِ الكرة.. انها المفتاح... احمِ ما لا يُرى."
وكان السلم، كأنه يقود إلى شيء لم يوجد بعد، أو شيء ينتظر منذ زمن بعيد.
فجاة تجمعت الشظايا مشكلة الكرة الصغيرة قالت ايليارا : انها هي انها هي تريد منا ان نعرف شيء .
وفجأة، تجمعت الشظايا التي كانت تسبح في الهواء ببطء، تدور حول نفسها كأنها تُستدعى. اجتمعت في نقطة واحدة، وبدأت تدور بشكل أسرع، حتى شكلت من جديد الكرة الصغيرة نفسها، لكنها الآن كانت أكثر شفافية، وكأنها أصبحت بوابة لما هو خلفها.
قالت إيليارا، وهي تحدق فيها بدهشة:
"إنها هي... إنها هي! تريد منا أن نعرف شيئًا... تشعر بذلك؟"
اقتربت منها دون أن تلمسها، لكن الكرة هذه المرة لم تكتفِ بالصمت.
انبثق منها خيط رفيع من الضوء، امتد نحو صدر إيليارا، ولمسها دون أن يؤذيها.
ارتعش جسدها للحظة، ثم اتسعت عيناها، كأنها رأت شيئًا لا يُقال.
تاريس تقدّم بخوف، "ماذا هناك؟ إيليارا؟"
همست وهي ما تزال تحدّق في الضوء:
"صور... أصوات... كانت هناك معارك... وجوه كثيرة، بعضها مألوف، وبعضها مشوّه. وهناك... هناك غرفة، فيها مرآة... لكنها لا تعكس صورتك، بل تعكس حقيقتك."
الضوء انسحب فجأة من صدرها، وعاد إلى الكرة.
ثم التفتت إليه، وصوتها ارتجف:
"أرادت أن تريني شيئًا. شيئًا لا يتعلق بالمكان فقط... بل بي."
تاريس لم يجب، بل مدّ يده بحذر نحو الكرة، وقبل أن يلمسها، تحرك الضوء ذاته تجاهه.
لكنه لم يتوقف عند صدره... بل ذهب إلى جبينه، ولامسه بلطف، ثم تلاشى.
لم يرَ صورًا، بل شعر بإحساس غريب، كأن أحدًا يضع بين يديه أمانة لا يفهمها بعد.
قال بخفوت:
"أشعر كأنني... مسؤول عن شيء... شيء لم أختره، لكنه اختارني."
سكنت الكرة، وعادت إلى هدوئها، ثم طفت في الهواء ببطء، وتحركت نحو مدخل السلم الحجري.
قالت إيليارا، بصوت أقرب للهمس:
"إنها تدعونا للنزول."
أومأ تاريس، ثم قال:
"فلنرَ ما الذي ينتظرنا... ربما نجد فيه إجابات، أو بداية جديدة لما لا نفهمه بعد."
وهكذا، نزلا معًا إلى عمق الأرض، والكرة أمامهم، تقودهم عبر ممر ضيق محفور في الصخر، تضيء طريقهم بنورها الغريب.
في داخلهما، أسئلة كثيرة... لكن شيئًا ما كان يخبرهما أن الطريق إلى الحقيقة لا يصعد للأعلى، بل يهبط نحو الجذور.