ماضي المستقبل - المنفى الرمادي - بقلم لولي | روايتك

اسم الرواية: ماضي المستقبل
المؤلف / الكاتب: لولي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: المنفى الرمادي

المنفى الرمادي

في تلك اللحظة، سمعا صوتًا قادمًا من بعيد. خطوات... خطوات بطيئة، لكنها ثابتة. وكلما اقتربت، ازداد الهواء برودة، وكأن الأرض تتنفس من خلالها. تسللت ظلال طويلة بين الأشجار، وتشكّلت تدريجيًا في هيئة شخص يرتدي عباءة داكنة، ووجهه مغطى بالقماش. كان يحمل عصًا يتوهج طرفها بضوء أحمر خافت. تاريس تقدم خطوة، بينما رفعت إيليارا يدها لتمنعه، لكنها لم تستطع قول شيء. قال الغريب بصوت أجش، وكأن الزمن نفسه يتحدث من خلاله: "أنتم لستم من هذا العالم... ومع ذلك، وصلتم. بوابة الرماد لا تفتح إلا لمن تاه بين العوالم." سأله تاريس، بثبات حاول أن يصطنعه: "أي عالم هذا؟ وما الذي تنتظره منا؟" ابتسم الغريب، وقال: "أنا لا أنتظر... أنتم من تأخرتم." ثم التفت فجأة، وأشار إلى الطريق خلفه. ظهر ممر من الحجارة المتفحمة، يقود إلى جبل بعيد، يعلوه ضوء رمادي ينبض ببطء. "في قمة ذلك الجبل... ستعرفون لماذا جُلبتم إلى هنا. لكن احذروا، كل إجابة هناك تحتاج ثمنًا." وقبل أن ينطق أحدهما بكلمة أخرى، اختفى الرجل كما ظهر، وترك وراءه الرياح تعصف بالرماد، وكأن الأرض تنذر بقدوم شيء أعظم مما يتصورون. قالت إيليارا بصوت خافت: "أشعر أن الكرة ليست فقط بوابة... بل لعنة." ردّ تاريس، وهو يحدّق في الجبل: "أو ربما اختبار... لنا كلنا." ثم بدأ الاثنان يسيران في طريقهما نحو المجهول، غير مدركَين أن كل خطوة تقودهما نحو مصير كتب قبل أن يولدا، وأن العوالم السبعة بدأت في التحرك، واحدة تلو الأخرى. بدأت خطواتهما تتعثر فوق الحجارة المتفحمة، وكل خطوة كانت تصدر صوتًا مكتومًا كأن الأرض تتألم تحت أقدامهم. الهواء ثقيل، يحمل في طياته رائحة رماد مختلطة بشيء آخر... شيء لا يمكن وصفه، كأنما الزمن نفسه احترق في هذا المكان. لم يكن بينهما حديث. لكن الصمت كان أبلغ من الكلام. تاريس، رغم محاولته إظهار الثبات، كان صدره يعلو ويهبط بوتيرة متوترة. عيناه كانتا تفتشان الطريق أمامه، لكن قلبه كان يبحث في الأفق عن وجه أخيه الصغير. كلما لمح ظلالًا بين الأشجار، أو سمع خشخشة أوراق، كان قلبه يقفز للحظة، على أمل أن يكون ريان... ثم يخفت الأمل، ويعود الصمت. أما إيليارا، فكانت تحدق في الضوء الرمادي الذي يعلو الجبل وكأنها تقرأ فيه مصير أصدقائها. كانت تمسك طرف وشاحها بيديها، تشده إلى صدرها كما لو أنه آخر ما يربطها بعالمها القديم. "فاليارا... آرلين... ريان..." ترددت الأسماء في ذهنها، تتكرر بلا انقطاع، كأنها تحاول أن تحفظهم من النسيان، من الغياب. قطع شرودهم صوت خافت قادم من بعيد، كأنه أنين أو صرخة مكتومة. تبادلا نظرة سريعة، ثم أسرعا الخطى. كلما اقتربا، بدأت الأرض تهتز قليلًا، لكن لم يكن زلزالًا. بل أشبه بنبض قلب ضخم مدفون تحت التراب. فجأة، ظهر أمامهم شيء غريب... حلقة حجرية ضخمة، محفورة في الأرض، تتوسطها بوابة مكسورة، يعلوها نقش قديم بالكاد يمكن تمييزه. قالت إيليارا، وهي تقترب بحذر: "هل تشعر بذلك؟... هذه البوابة... كأنها تحاول أن تتكلم." كانت الرياح تدور حول الدائرة الحجرية كأنها تحرسها. لفت انتباهها شيء عند حافة البوابة، شيء مألوف... كرة. لكنها لم تكن ناصعة البياض كما كانت من قبل، بل تشوبها خيوط رمادية كأن النور فيها ينهار من الداخل. "هذه... ليست هي." همست إيليارا، عينيها تتسعان بدهشة وخوف في آن واحد. "لماذا تبدو كما لو أنها تحتضر؟"