الوصية
ثم فجأة، شعرت بشيء غريب يحيط بي... وكأننا انتقلنا جميعًا إلى مكان آخر. لم أعد أرى الأضواء المتناثرة في الفضاء، بل وجدت نفسي في وسط حرب عنيفة. كان المكان مشوشًا، وكان الجميع يحاربون بشكل عشوائي. لم أكن أستطيع تحديد من هو مع من. هل نحن في الكبسولة؟ أين نحن الآن؟
قطع تفكيري صوت شخص، وقال بهدوء:
"لا تقلق، الخير ينتصر دائمًا."
استغربت، ثم سألت:
"ماذا تعني بكلامك؟ وما هذا المكان؟"
نظر إلي وقال، وهو يواصل في سكون عجيب:
"ليس الآن... سنتحدث بعد الانتصار."
ماذا يعني؟ لكن ما أثار دهشتي أكثر هو أن الأشخاص الذين كانوا يحاربون كان نصفهم يرتدون ملابس بيضاء والنصف الآخر يرتدون ملابس سوداء. كانوا يقاتلون بكل عدوانية، بلا رحمة. والشيء الأكثر غرابة هو وجود رضيع بين الذين يرتدون الملابس البيضاء. كيف؟
أسرعت نحوه، لكن فجأة أوقفني رجل عجوز ذو لحية بيضاء وملابس بيضاء أيضًا. قال بصوت هادئ، لكنه حاسم:
"إنها الملكة، ويجب أن يحميها من هو جدير بالمسؤولية. ويبدو أنك تملك هذه الصفات."
بدأت أفكاري تتسارع في عقلي: هل يقصدني؟ هل أنا في حلم؟ لكن كل شيء كان يبدو واقعيًا... أنا صغير جدًا، كيف يمكنني أن أتحمل مسؤولية حماية رضيعة؟ هذا أمر لا يصدق.
قاطعته مسرعًا:
"لا... لا، لست أملكها، للأسف... كنت أعرف أنني صغير على أن أتحمل مسؤولية رضيع."
أجاب الرجل العجوز بهدوء:
"أنا أعلم أنك لست من هذا العالم ولا تعلم شيئًا عنه. إذا كنت تريد أن تعرف، يجب أن تسدي لي معروفًا."
لم يكن أمامي خيار سوى قبول الوضع، لعلي أستفيق من هذا الحلم الغريب. حملت الملكة وابتعدت عن ساحة الحرب المخيفة، وكان في رأسي يتكرر كلام العجوز، كان يرن في ذهني وكأنني لا أستطيع الهروب منه.
مضيت في مسار مظلم لا نهاية له، حتى بدأت أشعر بشيء مختلف. وجدت نفسي وسط الأشجار الكثيفة وأصوات الطبيعة التي تعزف لحنًا هادئًا في الخلفية. تذكرت بيت الشجرة، وفاليارا، وإيليارا، وآرلين، وأخي تاريس. اشتقت لهم جميعًا، وفكرت: ماذا يفعلون الآن؟ هل يظنون أنني ضعت؟ هل هم بخير؟
كنت منهكًا من المشي، فبدأت في البحث عن مأوى، أي مكان يمكن أن يحمينا من أي خطر. تدفقت فكرة في مخيلتي عن مكانٍ بسيط: كوخ، منزل مهجور، أي مكان يوفر لنا الراحة والاختباء مع الملكة. بينما كنت أمشي، ظهرت أمامي أطلال قصر قديم، طويل، عريض، وعتيق. نظرت إليه مليًا، كان يبدو مهجورًا، لكن كان هناك شيء غريب في تصميمه، شيء جعلني أتردد في الاقتراب.
كانت خطواتي تتردد في القصر المهجور، والهواء ثقيل حولي كما لو كان يضغط على صدري. لكن لم يكن أمامي خيار آخر غير الدخول. كانت البوابة أمامي مفتوحة، وكان القصر يدعوني إلى الداخل، وكأن المكان نفسه ينتظر شيئًا ما. ما إن دخلت، حتى شعرت بهالة غامضة تحيط بهذا المكان العتيق. كان الظلام يملأ أرجاءه في البداية، لكن شيئًا فشيئًا بدأ الضوء يتسلل من خلال النوافذ الضخمة التي كان زجاجها مزخرفًا بطريقة غريبة، لتضيف أضواء خافتة على الأجواء. كان كل شيء يشير إلى سرٍّ قديم، وكأن المكان يحفظ أسرارًا عميقة لا يمكن كشفها بسهولة.
كل خطوة أخطوها كانت تقطر بالخوف والقلق. شعرت بأن كل زاوية في هذا القصر قد تكون ملاذًا لشيء مظلم أو غريب. كان الجو مشبعًا بشعور يصعب تفسيره، كأنني أبحث عن شيء لا أملك إجابة عنه.
حملت الملكة بين يديّ، وكأنني أحمل ضوءًا وسط الظلام. كان وجهها الصغير هادئًا، مشرقًا كزهرة تتفتح في الفجر. عيونها مغلقة، وجفنها الناعم كان يضيف لمسة سحرية لملامح وجهها، وكأنها تحلم بمكان بعيد. بشرتها الناعمة كالحرير تتناغم مع الضوء الخافت الذي يتسلل عبر النوافذ. أما شعرها الذهبي، فقد كان ينساب حول وجهها كخيوط شمس الغروب، مما جعلها تبدو وكأنها كائن سحري من عالم آخر.
بينما كنت أتجول في أرجاء القصر، شعرت فجأة بهزة قوية في الأرض، كما لو أن الزمان والمكان قد تغيرا في تلك اللحظة. القصر كان على وشك التحول إلى شيء آخر. فجأة، انفتح باب القصر الخلفي الكبير ليكشف عن ممر ضيق مظلم، يطل على غابة كثيفة من الأشجار.
"اذهب..." قال صوت خافت من بعيد، لم أتمكن من تحديد مصدره. "إذا أردت البقاء على قيد الحياة وحماية الملكة، عليك أن تتوجه إلى هناك... لكن احذر، فهذه الأرض ليست كما تظن."
حملت الملكة بعناية، وبدأت أسير في الممر الضيق الذي أشار إليه الصوت. في تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب في الهواء. الرياح تعصف بي، وكأنها تحاول دفعني بعيدًا عن الطريق. وكلما تقدمت، كان الظلام يزداد كثافة وكأنني كنت أدخل إلى عالم آخر تمامًا.
وصلت إلى منطقة مفتوحة، ولكن الضوء كان بالكاد يخترقها بسبب الأشجار العملاقة التي أحاطت بالمكان. في وسط هذه المنطقة، كان هناك تمثال قديم لامرأة ذات ملامح حادة. كانت تحمل في يديها كرة ضوء صغيرة، وعيناها كانت موجهة نحونا كما لو كانت تراقبنا.
اقتربت بحذر من التمثال، وعيني تقع على الكرة. كان شكلها يشبه تمامًا الكرة البيضاء التي رأيتها من قبل، بل وكانت هي نفسها! شعرت بالدهشة، وتساءلت: كيف وصلت هذه الكرة إلى هنا؟ ولماذا هي هنا الآن؟
لم أتمالك نفسي، فوضعتها على الأرض بهدوء، وأنا أتمنى أن أجد أي أثر لأصدقائي أو أخي في مكان ما. ولكن في اللحظة التي لمست فيها الكرة، شعرت بشعور غريب، كتيار كهربائي يمر في جسدي. فجأة، بدأ الضوء الأبيض يملأ المكان وعيناي، وتلاشى كل شيء حولي.
"مكانك ليس هنا..." قال الصوت نفسه الذي كان قد حملني مسؤولية حماية الملكة. "لكن القدر هو من جلبك إلى هنا. احمل الملكة، وامضِ بها باحثًا عن أحبابك بين العوالم السبعة... هذه الكرة ليست التي تعرفها، بل هي جزء منها، لتساندك وتساعدك في رحلتك القادمة. كن على يقين، ستكون مهمتك صعبة، ولن يكون الأمر بتلك السهولة التي تتصورها. مهمتك هي أن تحمي الملكة، وأن تجد أصدقائك وأخاك. تذكر، الملكة هي المفتاح... احمِ الملكة... احمِ الملكة!"
ثم بدأ الصوت يبتعد ويتلاشى ببطء، تاركًا وراءه شعورًا بالرهبة والعزم في قلبي. وقبل أن أستوعب ما قيل، انفجرت الكرة بنور ساطع اخترق كل ذرة من كياني... كأنني أصبحت جزءًا من شيء أكبر مني، أكبر من هذا المكان، أكبر من هذا العالم نفسه.