الفصل الرابع : بحث فاشل
الزمن توقف فيها، والسكون يخيّم على أرجاء البيت إلا من صوت الريح التي تهمس عند النوافذ، تحرّك الستائر بخفةٍ تشبه الأنين.
جلست ميس — أو ثريا كما يراها الجميع — مستندةً إلى الجدار الطيني البارد، على فراشٍ بسيطٍ مفروشٍ على الأرض، وعيناها متسعتان في الظلام.
لم تستطع النوم، ليس لأنّ الأرض قاسية، بل لأنّ الأفكار في رأسها كانت كعاصفةٍ تدور بلا توقف.
كانت تشعر بأنها غريبةٌ تمامًا عن هذا المكان، عن هذا الزمن، عن هذا الجسد الذي يحيط بها كقيدٍ ثقيل.
الأسئلة كانت تنهش عقلها واحدًا تلو الآخر:
كيف حدث هذا؟ كيف استيقظت في جسدٍ ليس جسدها؟
هل عادت إلى الماضي؟
أم أنّها في حلمٍ طويلٍ لا تستفيق منه؟
وهل هذه الفتاة — ثريا — كانت موجودةً فعلًا؟
ثم نظرت إلى ذراعها الملفوفة بالضماد، فتذكّرت الجرح، وتساءلت في صمتٍ
«انه جرح انتحارٍ حقًا لكن لماذا؟ ما الذي يدفع إنسانة لإنهاء حياتها بهذه البساطة؟»
ارتجف ضوء المصباح الزيتيّ القريب، وتناهى إلى سمعها وقعُ خطواتٍ خفيفةٍ قادمةٍ نحو الغرفة.
رفعت رأسها بسرعة، وأرهفت سمعها.
الخطوات كانت ناعمة، حذرة، كأنّ صاحبتها تخشى أن توقظ أحدًا.
وما إن انفتح الباب قليلاً حتى ظهرت تلك المرأة — أمّ ثريا — وجهها هادئٌ رغم تعب السنين، وفي عينيها حنانٌ يفيض بالقلق.
اقتربت بخطواتٍ بطيئةٍ حتى جلست قربها، وهمست بصوتٍ مفعمٍ بالعطف:
"لِمَ لم تنامي بعد، يا ابنتي؟ لقد مضى الليل نصفه."
نظرت إليها ميس بهدوءٍ غريبٍ، وقالت ببرودٍ لا يشبه نبرة الفتاة التي يعرفونها:
"لا رغبة لي في النوم."
حدّقت الأم فيها طويلًا، وكأنها تحاول أن تفهم ما يدور في داخلها.
ثم تنهدت قائلةً بصوتٍ واهنٍ يحمل نبرة إدراكٍ مرّ:
"أفهم… وكيف تنامين، وأنتِ من كدتِ تفقدين روحكِ منذ ساعاتٍ فقط؟"
لم تُجب ميس، واكتفت بالنظر إليها في صمتٍ خالٍ من أي تعبير.
تابعت الأم حديثها وهي تجلس قربها، مدّت يدها تمسح على شعرها برفقٍ، وقالت بنبرةٍ مفعمةٍ بالأسى:
"لقد رأيتكِ ميتةً يا ثريا… رأيت قلبكِ ساكنًا، وجسدكِ بارداً كالحجر، والدماء تسيل منكِ. كان المشهد مرعبًا يا ابنتي، كأنّ قلبي توقف معكِ. لم أتصور يومًا أن تبلغ بكِ الكآبة حدّ أن تنهي حياتكِ بيدكِ."
ظلّت ميس صامتة، لكن في داخلها كانت كلمات المرأة تدوي كصفعاتٍ متتالية.
انتحرت؟ لأجل ماذا؟
تأملتها الأم بعينين دامعتين، ثم قالت بنبرةٍ خافتةٍ لكنها حازمة:
"أعلم أنّكِ كنتِ خائفة… وأنكِ لا تريدين الزواج من أبلج، لكن يا ابنتي، لم يكن الموت هو الحل. لو بيدي أن أغيّر شيئًا لفعلت، لكن ما بوسعي؟"
ارتفع حاجبا ميس قليلًا، وسألتها ببطءٍ وكأنها تتأكد مما سمعت:
"زواج؟… أبلج؟"
أومأت الأم برأسها وقالت بأسى:
"نعم، أبلج . اعلم أنه اختيار والدك وانت اخترتِ الموت على الزواج. آه يا ثريا، لو تعلمين كم أوجعتِ قلوبنا!"
ظلت ميس تحدق بها في صمتٍ طويلٍ، تفكر:
إذًا، ثريا هذه انتحرت لأنها أُجبرت على الزواج؟
أيّ يأسٍ هذا؟ أيّ ضعفٍ جعلها تختار الموت؟
ياله من سبب لتضيع من اجله حياتها ونعمة الحياة
قطعت الأم صمتها وهي تتابع:
"لكن لا تقلقي، ربما لن يتم الزواج الآن. لقد رأى أبلج حالتكِ، وربما لن يقبل الزواج بعد ما حدث. وربّ شرٍّ كان سببًا في خير."
ثم صمتت لحظة، وأمسكت بذراع ابنتها المربوطة بالقماش، وقالت بصوتٍ يرتجف:
"لكني أرجوكِ، يا بنيّتي، إن فكرتِ يومًا أن تؤذي نفسكِ ثانيةً، فتذكّري أن أمّكِ ستموت بعدكِ مباشرةً. لن أحتمل فراقكِ مرةً أخرى."
شعرت ميس بشيءٍ يختنق في صدرها، مزيجٍ من الغرابة والتعاطف الذي لم تكن تشعر به من قبل .
وكأن قلبها يؤلمها على حالة هذه المرأة ...
وكأن قلب ثريا لا يزال ينبض بحب الأم، بالحزن، بالخوف، بالذكريات.
ومع ذلك، لم تقل شيئًا. فقط نظرت إليها بعينين غائمتين بالأسئلة.
مرت لحظة صمتٍ ثقيلة، ثم قالت فجأةً، وكأنّ فكرةً انبثقت في ذهنها:
" هذا الرجل الذي ذكرتِه… الحكيم… أمنان، من يكون؟"
بدت الدهشة على وجه الأم، وقالت:
"أمنان؟ أتعنين حكيم القبيلة؟ أجل، هو شيخٌ كبير في السن، يعالج الناس بالأعشاب والرقى، يقال إنه شفى كثيرين. لما تسألين عنه؟ أتشعرين بألمٍ في جرحك؟"
فكرت ميس للحظة، ثم قالت فجأة
" أريد أن أراه."
قالت الأم مترددةً:
"إنه في وسط القبيلة، لكن لما تذهبين إليه؟"
لم تجد ميس سوى الكذب ملجأً، فأجابت بسرعة:
"أريد أن يرى جرحي، فقط لأطمئن أنه سيلتئم."
تنهدت الأم وقالت بعد تردد:
"حسنًا، سنذهب إليه غدًا إن شاء الله."
أومأت ميس برأسها، في حين ظلت الأم تنظر إليها طويلًا بعينٍ متفحّصةٍ قلقة، ثم نهضت ببطء، تمسح على كتفها وتقول برفق:
"حاولي أن تنامي قليلًا الآن، يا ابنتي. غدًا سيكون يومًا طويلًا."
غادرت الأم الغرفة، وأغلقت الباب وراءها بهدوء.
وبقيت ميس وحدها، تحدق في السقف الخشبيّ العاري، تسمع صوت أنفاسها المتوترة وهي تتردد بين الصدر والجدار.
مدّت يدها ببطء، وضغطت على الضماد فوق جرحها، كأنها تختبر واقعه.
ثم أغمضت عينيها، وهمست في ظلام الليل:
"أبلج… أمنان… المرجان… ما هذا العالم الذي سُجنتُ فيه؟"
ولأول مرة، أدركت أنّ النوم لن يزور عينيها هذه الليلة، لأنّ الحقيقة كانت أغرب من كل الأحلام.
_______
كانت الشمس قد بدأت تتسلل بخجلٍ إلى داخل الغرفة الطينية، ترسم خيوطًا ذهبية على الجدران الخشنة. استيقظت ميس — أو ثريا في أعين من حولها — وهي تشعر بارتباكٍ غريب. نظرت حولها، فلم تجد سوى أوانٍ فخارية وأغطية صوفية بسيطة، لا أثر فيها لأي شيءٍ يشبه حياتها السابقة.
جلست ببطء، تنظر إلى يديها، إلى الضماد الذي لُفّ حول معصمها، ثم إلى الأرجاء، لا تفهم من أين تبدأ يومها.
اغتسال؟ كيف تفعل ذلك هنا؟ أين الماء؟ أين الحمّام؟
ظلت لحظاتٍ ساكنةً، حتى سمعت أصواتًا وحركةً في الخارج، فقررت أن تتبع إحداهن. خرجت بخطواتٍ مترددةٍ نحو فناء الدار، وهناك رأت المشهد الذي أربكها حقًا:
فتياتٌ يحملن جرارًا من الفخار، يملأنها من بئرٍ في طرف الساحة، يرفعن الماء بحبالٍ سميكةٍ ودلاءٍ من الجلد، ثم يسكبنها في أحواضٍ صغيرةٍ للغسل.
وقفت ميس تراقبهن بدهشة، ثم اقتربت بخطواتٍ حذرةٍ لتقلّد ما يفعلنه. الماء كان باردًا لدرجةٍ أرسلت رعشةً في جسدها، لكنها تماسكت.
لم يكن في يدها سوى أن تتأقلم، فكلّ ما حولها يقول إنها في زمنٍ لا يشبه زمنها.
وحين سمعت إحداهن تقول إنهن سيتناولن الفطور بعد قليل، فكرت في نفسها:
"يبدو أنهن يستيقظن مبكرًا حقًا…"
فلقد قرأت ذلك في كتب التاريخ. يا لِصعوبة الحياة قديمًا.
لكنها لم تضعف، كانت فكرة واحدة تحتل رأسها:
"اليوم سأذهب إلى ذلك الرجل… أمنان واعرف الحل لمشكلتي "
كانت تسحب غطاءها عن كتفيها لتتهيأ، حين خيّم صمتٌ ثقيلٌ فجأة على المكان. توقّفت الأيدي عن العمل، وتبادل الجميع النظرات في صمتٍ متوتر.
دخل مرجان بن ناصر — الرجل الذي رأته البارحة، والد ثريا — بخطواتٍ واثقةٍ، عينيه قاسيتان، وصوته يحمل هيبةً اعتادها البيت.
سارعت زوجته تطلب من بناتها أن يجهزن السفرة سريعًا له.
قالت إحداهن همسًا:
"هو لا يستيقظ عادةً في هذا الوقت، يبدو أنّ أمرًا مهمًا سيُقال اليوم."
أما ميس، فقد تجاهلت كل ذلك، وجلست تتناول رغيفًا ساخنًا من الخبز.
لم تكن تبالي، فكل ما يهمّها الآن أن تغذّي هذا الجسد الذي فقد دماءً كثيرة، جسدها الجديد، الذي عليها أن تعتني به طالما أنه أصبح مسكنها المؤقت.
نادى الرجل بصوته الجهوري:
"ثريا!"
لكنها لم تجب، لأن الاسم لم يَخطر ببالها أصلًا.
لم تتذكر أن هذا هو اسمها هنا.
حتى شعرت بيدٍ خفيفةٍ تدفع كتفها من الخلف، فالتفتت متفاجئة.
كانت أختها تهمس بغضبٍ:
"أبي يناديكِ!"
رفعت رأسها، فالتقت عيناها بعيني الرجل الواقف أمامها. قال بصرامةٍ:
"تعالي معي."
ثم استدار وسار بخطواتٍ بطيئةٍ ثابتة، يضع يديه خلف ظهره كمن يتهيأ لحديثٍ طويلٍ وحاسم.
اقتربت منها أمها مسرعة، همست في أذنها وهي ترتب عليها ثوبها:
"اذهبي بسرعة يا ثريا، أظنه يريد أن يتحدث معكِ عن ما حصل البارحة."
ميس لم تفهم سبب كل هذا الخوف والقلق في الوجوه، لكنها أطاعت وسارت خلفه بصمتٍ، خطواتها تتردد على الأرض الترابية، وصوتها يختلط بأنفاسها المتوترة.
كان البيت قد عاد إلى هدوئه، والنساء في الداخل مشغولاتٍ بإعداد الإفطار، لكن عيونهن تتجه بين الحين والآخر نحو الباب المغلق خلف ثريا ووالدها.
دخلت الغرفة التي كان يجلس فيها مرجان بن ناصر، الغرفة المخصّصة له ولضيوفه، والتي لا تدخلها النساء إلا للتنظيف أو ترتيب المائدة.
كانت غرفةً واسعةً، تتدلّى من سقفها مصابيح زيتية، وعلى الجدران عُلّقت سيوفٌ ورماحٌ، تعلن عن مكانة صاحبها.
جلس الرجل أولًا على وسادته الكبيرة، وأشار لها أن تجلس، لكنها لم تنتظر الإذن، جلست مباشرةً مقابله، دون أن تدرك أن تصرّفها هذا في هذا الزمن يُعدّ جُرأةً صادمة.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوتٍ ثقيلٍ حادّ:
"ما فعلتِه ليلة البارحة، يا ثريا، لو علم به أهل القبيلة، لكانت فضيحةً لنا جميعًا. أتدرين ما معنى أن تُقدِم فتاةٌ من بيت مرجان بن ناصر على قتل نفسها؟ لقد جلبتِ العار، وكدتِ تلطّخين اسمنا إلى الأبد."
ظلت ميس تنظر إليه في صمتٍ، وجهها جامد، لكن في داخلها فكرة واحدة تتردد:
" اذا هكذا هو ابوها؟ لا شيء في كلامه يوحي بأنه يهتم بأن ابنته نجت من الموت. "
تابع حديثه بلهجةٍ غاضبةٍ يختلط فيها التوبيخ بالغرور:
"إن سمع أحدٌ من أبناء القبيلة بما حدث، فسيظن أننا لا نحسن تربية بناتنا. لا أريد أن أسمع عن هذا الأمر بعد اليوم، هل فهمتِ؟"
لم تجبه، فقط نظرت إليه بعينين ثابتتين.
وفي تلك اللحظة، دخلت الأم حاملةً صينيةً فيها أقداح الشاي وبعض الطعام، وضعتها أمامه بخفةٍ، ثم همّت بالمغادرة، لكن ميس رفعت يدها، وقطعت حديث والدها بجرأةٍ غير متوقعة، قائلةً بصوتٍ هادئٍ لكنه حاسم:
" هل أنهيتِ عملكِ؟"
توقّف مرجان عن الكلام، ورفع حاجبيه بدهشةٍ من مقاطعتها له، بينما التفتت الأم بارتباكٍ نحوها:
"ماذا تقولين، ثريا؟"
تابعت ميس دون أن تنتبه لدهشتهم:
"كي نذهب الآن إلى الحكيم… أمنان."
ساد الصمت لحظة، كأن الزمن توقف.
تجمّد وجه الأم، وبدت على الأب علامات الدهشة والغضب في آنٍ واحد.
قال بحدّةٍ متهكمة:
"أمنان؟ وما شأنكِ أنتِ بالحكيم؟ ولماذا تذهبان إليه؟"
تدخّلت الأم بسرعةٍ لتخفّف التوتر، قالت بصوتٍ مترددٍ وهي تحني رأسها احترامًا:
"إنها ما تزال تتألم يا مرجان، أردتُ أن يأخذ الحكيم نظره في جرحها، فربما تحتاج إلى دواءٍ منه."
ظلّ الرجل ينظر إلى ابنته طويلًا، ثم زفر بقوة، وقال وهو يشيح بوجهه:
"اذهبا إذًا. لكن لا أريد أن يُقال إن ابنة مرجان تثير الأحاديث بين الناس مجددًا، مفهوم؟"
أومأت الأم برأسها وقالت ان الحكيم سيلتزم الصمت طبعا فهو لايخرج أسرار مرضاه ، بينما ظلت ميس واقفةً في مكانها، لا تدرك أن تصرفها هذا — مجرد مقاطعتها له — كان كافيًا ليجعل الجميع في هذا البيت ينظر إليها بدهشةٍ خالصة.
كانت ثريا — كما يعرفونها — لا ترفع عينيها أمام والدها قط، فكيف بها اليوم تقاطعه وتطلب الخروج أمامه دون خوف؟
_______
كانت ميس تنتظر الأم عند باب البيت الطيني، تستعدّ للخروج إلى حيث يعيش الحكيم أمنان، ذاك الذي هي بحاجة لان تسأله وتحصل منه على اجوبة تريح حيرتها .
أمسكت بطرف عباءتها، وهمّت أن تخطو إلى الخارج، حين باغتتها الأم من خلفها، تمسك بذراعها في جزع:
"إلى أين تخرجين هكذا يا ثريا ؟ دون غطائك؟!"
توقفت ميس متفاجئة، تنظر إلى الأم دون أن تفهم مغزى السؤال.
ذلك الغطاء الذي تلفّ به نساء المرجان شعورهن كان بالنسبة لها شيئًا جديدا ، شيئا هي لم يسبق ان فعلته .
لكن الأم، وقد رأت نظرة الحيرة في عيني ابنتها، حاولت تهدئة نفسها، مرجّحة أن ما تفعله ابنتها ليس إلا أثر الصدمة التي عاشتها ليلة أمس.
"لا بأس، لا بأس يا ابنتي... لا زلتِ مشوَّشة قليلاً."
ثم عادت مسرعة إلى الداخل، وأحضرت قطعة القماش الحريرية ذات اللون الرملي، وقفت أمام ميس، ومدّت يديها لتلفّ الغطاء حول شعرها.
كانت حركاتها بطيئة، حنونة، كما لو كانت تلمس شيئًا مقدّسًا.
لم تقل ميس شيئًا، اكتفت فقط بالنظر في عينيها بهدوء
ومع كل التفافة من القماش حول رأسها، كان قلبها يخفق على نحو غريب.
شعور خافت تسلّل إلى صدرها كخيط دافئ .
هل هو حنين؟ شوق؟
لكن إلى من ؟
كانت أمّها في حياتها القديمة امرأة ناجحة، صارمة، لا تملك وقتًا للعناق أو للالتفات إلى تفاصيل صغيرة كهذه.
ولم تكن ميس تهتم...
لكن الآن، وهي تشعر بيدَي تلك الأمّ تلفّ الغطاء فوق رأسها في رفقٍ وأناة، أحسّت بشيءٍ يتصدّع داخلها، شيئًا لم تعرف له اسمًا.
ابتسمت الأم أخيرًا، وقالت بنبرة خافتة:
"ها قد أصبحتِ أجمل بنات المرجان."
ثم ابتعدت خطوة إلى الوراء، تتأملها برضا الأمّ، قبل أن تشير إليها بالخروج.
خرجتا معًا إلى طرقات القبيلة.
الهواء كان محمّلًا برائحة الرمل والنخيل، وأصوات الباعة ترتفع من بعيد.
كانت ميس تمشي بجوار الام ، تتلفّت حولها بدهشة.
البيوت مبنية من الطين والحجر، والأبواب من خشبٍ غليظٍ محفور عليه رموز قديمة.
النساء يحملن الجرار على رؤوسهن، والأطفال يركضون حفاة في الأزقة الضيّقة.
تمتمت ميس بصوتٍ خافت، كأنها تخاطب نفسها:
"إذن... هكذا كانوا يعيشون... هكذا كان العرب..."
وصلتا أخيرًا إلى المنزل الذي يعيش فيه حكيمُ قبيلةِ المرجان… أمْنان.
كان البيت العربي قائماً فوق مرتفع صغير، تحيط به أشجار شوكية متباعدة، وساحة ترابية نظيفة تُكنَس كل صباح. جدرانه مبنية من الطين المدعّم بالقش، وله باب خشبي عريض تحيط به زخارف بسيطة من النقوش القديمة.
وقفت الأم أمام الباب وطرقت طرقًا خفيفًا. لم تمضِ ثوانٍ حتى فُتح الباب وظهر فتى في السادسة عشرة من عمره تقريبًا، نحيل الجسد، واسع العينين، يلبس جلبابًا رماديًا بسيطًا، وعقالًا يثبت خصلات شعره.
كان واضحًا أنه مساعد أمْنان.
نظرت إليه الأم ثم رفعت يد ثريا، فأشارت إلى معصمها المربوط وقالت:
" جئنا من أجل هذه… أصابها التواء البارحة."
فهم الفتى بسرعة، وهزّ رأسه بجدية:
" تفضّلا… سياتي عليكما الدور قريبا "
دفعت ميس الباب ودخلت أولًا، تتبعها الأم بخطوات هادئة.
توقّفت ميس بعد أول خطوة.
كان المكان أشبه بعيادة بدائية: سقفٌ من خشب النخيل، جدران مطلية بالطين، وأرفف تحمل أوعية فخارية ممتلئة بالأعشاب المجفّفة. كانت الرائحة خليط من الشيح والمرّ والصبار.
فكرت تلقائيًا:
"إذن… في هذا الزمن لا وجود للمشافي. هؤلاء هم أطبّاء زمانهم."
في الجانب الآخر جلس عدة رجال ونساء تبدو عليهم علامات الإرهاق: رجل يمسك بكتفه، امرأة تضع يدًا فوق معدتها، وطفل يتشبث بثوب أمه متألّمًا.
جلست الأم، وجلست ميس إلى جوارها بصمت، تراقب حركة المكان… كل شيء يعلو ويهبط بإيقاع بطيء، كأن الزمن هنا يسير على مهل.
ومع مرور الوقت، أخذ المرضى يدخلون واحدًا تلو الآخر حتى جاء دور ثريا.
نهضت الأم فورًا وهي تقول:
" هيا بنا "
لكن ميس ـ بصوت ثابت، حازم، غريب على الأم ـ قالت
" لا… سأدخل وحدي."
حدّقت الأم بها بدهشة، فالنبرة كانت باردة، جليدية على غير عادة ثريا… لكنها لم تعترض، واكتفت بإيماءة خفيفة.
دفعت ميس الستارة القماشية ودخلت.
الضوء في الداخل كان خافتًا، يعتمد على شعلة صغيرة فوق حامل حديدي. كانت الحجرة واسعة، وفي وسطها بساط صوفي كبير، وعلى الجدران أرففٌ مليئة بقوارير زجاجية صغيرة، وأعشاب معلّقة لتجفف رأسًا على عقب.
وفي آخر الحجرة جلس الحكيم أمْنان.
كان رجلاً نحيل الوجه،
له لحية بيضاء طويلة تنسدل على صدره،
ويرتدي عمامة كبيرة متقنة الربط،
وبشرته شاحبة فاتحة، على عكس رجال المرجان السمر.
أما عيناه… فكانتا حادتين، ثابتتين، كأنهما تريان ما هو أبعد من ملامحها.
رفع رأسه إليها، وقال بصوت مبحوح خفيف:
" ما حاجتك يا ابنتي؟ "
لكن ميس لم تمنحه أي تمهيد.
قالت بصرامة واضحة:
"لا. لم آتِ من أجل فحص… جئت لأسألك عن أمر آخر."
رمش الرجل بدهشة خفيفة، لكنه لم يتكلم.
تابعت ميس، واللمعان في عينيها يشي بإصرار غريب:
" سمعتُ أنك حكيم القبيلة وكبيرها… وأنك عالم بأسرار كثيرة."
ابتسم أمْنان بتواضع وإجلال:
"لستُ بتلك الصورة التي ينسجها أهل القبيلة يا ابنتي… لكن اسألي ما بدا لك، فإن استطعت الإجابة أجبت."
وقفت ميس مستقيمة، تتنفس ببطء، ثم قالت:
" هل… هل سافر أحد عبر الزمن من قبل؟
هل يمكن للإنسان أن يعود إلى الماضي؟ هل يمكن للروح ان تعيش في جسد غير جسدها ؟ "
ساد الصمت لحظة.
ارتبك وجه أمْنان، وظهر في عينيه شيء يشبه الحيرة.
وقبل أن يتكلم، بادرت ميس بحدة عصبية:
" لسـتُ مجنونة!"
رفع كفه سريعًا:
" حاشا لله… لم يخطر ببالي ذلك."
أخفضت عينيها قليلًا ثم قالت بجدية:
" أعلم أن كلامي يبدو غريبًا… لكن العلم يتطور، والكون مليء بالمفاجآت… ما نظنه مستحيلاً قد يكون ممكنًا في زمن آخر."
تنهد أمْنان ببطء… وكأنه يحاول اختيار كلماته.
قال بصوت متزن:
" أمور الزمن يا ابنتي مما كَثُر فيه القول وقلّ فيه الفهم.
كل أمة تتحدث عنه بلسان يوافق معتقداتها…"
ثم بدأ يشرح:
" بعض الثقافات تقول إن الأرواح تنتقل بين الأزمنة،
وبعضها يرى أن الروح إذا خرجت من جسدها لا تعود،
وهناك من يعتقد أن الزمن دائرة تعود على نفسها،
ومنهم من يقول إن الإنسان قد يعيش أكثر من حياة في أجساد مختلفة… يسمّون ذلك التناسخ."
سكت لحظة… ثم نظر إليها مباشرة:
" لكن لا أحد يجزم بالحقيقة. وما من علم عند البشر يثبت أو ينفي. "
رفعت ميس رأسها وقالت بصوت خافت لكنه واثق:
" وماذا لو… تجسدت روحٌ في جسدٍ ليس جسدها؟
وجاءت من زمن… ليس زمنها؟"
نظر إليها أمْنان طويلًا…
طويلًا جدًا…
حتى شعرت ميس بأن أنفاس الحجرة توقفت.
كان في عينيه سؤال، وفي صمته إدراك، وفي نظرته شيء يشبه:
"هل تتحدثين عن نفسك؟"
لكنه لم يسأل.
وهي… لم تجب.
أطرق أمْنان رأسه لحظة، ثم قال بنبرة هادئة امتزج فيها العجز بالحكمة:
" ما تطلبينه يا ابنتي… لا تُوجَد عنه الكثير من الأخبار.
إن بحثتِ في الأمر، فلن تجدي إلا مخطوطات قديمة لا يلتفت إليها أحد… كتبها أناس قال عنهم الناس إنهم يهذون أو يبالغون.
ولستُ أملك علمًا يقدر أن يجيبك إجابة يقين."
رفع عينيه إليها وأضاف بأسف صريح:
" أعذريني… لستُ أستطيع مساعدتك."
تجمدت ملامح ميس دون أن تنطق.
لم تشعر بخيبة… لكنها رأت بوضوح أن آمالها كانت معلّقة في مكان خاطئ.
"مالذي توقعتِه يا ميس؟"
هكذا حدّثت نفسها بمرارة هادئة.
"رجل عاش في زمن لا يعرف علمًا ولا كتبًا ولا مخابر… كيف سيشرح لك ما عجز عنه العلم في زمنك أنتِ؟
السفر عبر الزمن؟ حلمٌ عالمي… يتحدث عنه الكل، يتخيله الكل، يبحث عنه الكل… لكن أحدًا لم ينجح."
نزف صمت طويل بينهما.
قطع أمْنان السكون فجأة بسؤال مباشر:
" ومعصمك يا ابنتي…؟ "
رفعت ميس يدها تنظر إلى الرباط، ثم قالت بفتور:
" إنه بخير… مجرّد جرح صغير."
ابتسم أمْنان ابتسامة لطيفة، وقال بلطف:
" وهلّا تركتني أراه؟ لاطمئن عليه "
تنهدت ميس بخفة، ثم بدأت تفك الرباط ببطء.
وما إن ظهر الجرح حتى اتسعت عينا الحكيم.
انحنى قليلًا ليتأمل الخياطة الدقيقة، ثم همس:
" سبحان الله… من الذي خاطه لكِ؟"
رفعت رأسها وكأن السؤال بسيط جدًا:
" أنا قمت بذلك."
ارتفع حاجباه دفعة واحدة، وبدت الدهشة واضحة عليه:
" أنتِ… أنتِ من قامت بالخياطة؟
أتُتقِنين خياطة الجروح؟"
اكتفت بإيماءة قصيرة، فهي لم تفهم بعد سبب كل هذا التعجب.
اقترب أكثر، وصوته يخرج ببطء:
" وهل… تعرفين الطب؟"
رفعت ميس نظرها إليه، ثم قالت ببرود علمي:
" الذين كانوا ينتظرون قبلي… ذاك الرجل يعاني غالبًا من التهاب في مفصل كتفه، والمرأة قد تكون مصابة بالتهاب معدي أو انسداد بسيط… والطفل يعاني من جفاف شديد."
توقف أمْنان عن التنفس لحظة.
ثم قال بدهشة:
" وكيف… كيف عرفتِ؟
هل فحصتِهم؟"
هزت ميس رأسها نافية:
لم ألمس أحدًا.
مجرد معاينة… نظريًا فقط."
ازدادت حيرة أمْنان وهو يحاول فهم ما سمعه.
ثم قالت ميس مصطلحًا طبيًا لم يكن موجودًا في ذلك الزمن — فأخذت تشرح له ببساطة آلية المرض وكيف يُعالج.
أمْنان كان ينظر إليها كمن يرى شيئًا لا ينتمي إلى دنياه، كمن يسمع لغة لم يُخلَق لها بعد:
" ما سمعتُ مثل هذا قط… امرأة عندها علم بالطبّ والدواء
بل لا أعرف من الرجال من يُحسن بعض ما تقولينه الآن."
ثم مال قليلاً للأمام، ونبرة صوته أصبحت أبطأ:
" مَن أنتِ يا ابنتي؟
من أين جاءتكِ هذه العلوم؟"