الفصل 9
تبادلتُ النظرات مع المرأة للحظات طويلة.
كانت ملامحها مألوفة على نحوٍ يربكني: نفس الانحناءة في الحاجبين، ونفس الشرود في النظرة، وكأنني أنظر في مرآة لا تعكس الزمن بل تتجاوزه.
رفعت فنجانها ببطء، وأشارت نحوي بحركة خفيفة، ثم قالت دون أن تحرّك شفتيها:
> "تأخّرتِ كثيرًا."
تجمّدتُ، لكن صوتها لم يكن مسموعًا، بل مُحسوسًا — كأنه خرج من داخلي.
قمتُ من مكاني واقتربت منها.
رائحتها كانت تشبه الصباح بعد المطر، وشيئًا في حضورها جعل الهواء أثقل حولي.
جلستُ قبالتها، فوضعت يدها على الطاولة، وقالت بهدوء:
> "كنتُ أنتظرك منذ تلك الليلة في الساحة."
شعرتُ بالبرد يسري في أطرافي، وعدتُ أرى المشهد في رأسي — الشجرة، الصراخ، الدم، الفتاة، الضوء… كلّه يعود، لكن بلا خوف هذه المرّة.
سألتها بصوتٍ خافت:
– من أنتِ؟
أجابت بابتسامةٍ غامضة:
> "أنا ما تبقّى منكِ عندما قررتِ أن تكملي الحياة."
تلك الجملة اخترقتني كحقيقةٍ لا تحتاج تفسيرًا.
لأنني في تلك اللحظة، عرفت أنني لا أجلس أمام غريبة،
بل أمام نسختي التي نجت.