قاعة الالتهام - ✦ الفصل الأول ✦ - بقلم لولي | روايتك

اسم الرواية: قاعة الالتهام
المؤلف / الكاتب: لولي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ✦ الفصل الأول ✦

✦ الفصل الأول ✦

《في الأعلى… قبل أن يصحو الأسفل》 «أنت هنا… الآن. في ساحةٍ تُسمّى مدرسة. في حصةٍ يسمّونها تدريبًا رياضيًا. في ساحةٍ يسمّونها ملعبًا أخضرًا. لكنك لا ترى ما تحت قدميك — ولعل هذا خيرٌ لك.» كان الجوّ مشبعًا برائحة الشمس والعشب المداس بالأحذية الرياضية. صفٌّ من الطلاب والطالبات مصطفّون على خطٍ أبيض باهت، يصيح المدرب بأوامر قصيرة، فتتحرك الأجساد كالدمى المدربة: ركض. قفز. تصفيق. ضحكات متقطعة. صوت صفارة حاد يخترق تكتّم الملعب. في تلك اللحظة، كانت هي هناك — في الصف الأول دائمًا، كما يحبّ الجميع أن يراها. بزيٍّ رياضيٍ بسيط، شعر مربوط بعناية، وجه لا يشبه الوحوش في شيء. ابتسمت لصديقاتها، ضحكت بخفة حين زلّت قدمها واحدة منهن. لا أحد يعرف أن خلف تلك الضحكة، قبضتها مشدودةٌ في جيبها كذئبٍ ينتظر فرصة هروب. كانت المسابقة القادمة ستجعل فصلهم الأفضل في المدرسة، وكانت هي قائدة الفريق بلا منازع. كل خطوةٍ تركل فيها الكرة، كل نبضة قلبٍ تعدّ فيها الثواني، كل عينٍ تراقبها — كل ذلك يذكّرها بما تحاول نسيانه: إنها حين تركل… قد تكسر أكثر من عظمٍ لو أرادت. من الطرف الآخر، لم يكن الجميع يعجبهم توهّجها الهادئ. كانت هناك فتاة أخرى — صوتها رقيق كالزجاج حين يُكسر. همست بصوت يكفي لتسمعه: «لو كانت بطلتنا الكبيرة تعرف كيف تبتسم أكثر من أن تتظاهر…» سمعتها. أدارت رأسها ببطء، والدماء التي تخبّئها تحت بشرتها صارت أكثر سخونةً من الشمس فوق الملعب. ردّت عليها بصوتٍ لم تسمعه كل الفِرَق، لكنه وخز الفتاة مثل إبرة في الظل: «لو كنتِ تعرفين كيف تركضين بدل الثرثرة، لكان اسمك في لوحة الشرف الآن.» كان المدرب يراقب من بعيد. رفع صوته الحادّ: «أنتِ! اثنتيكما! خطوة واحدة أخرى وسأجعلكما تنظفان الملعب كله قبل أن تغادرا!» لكن الصغيرة الزجاجية انسحبت بخوف. وهي… بقيت هناك، عيناها إلى الأمام، قبضتها تحفر حفرة وهمية في جيبها. في الجهة الأخرى من الساحة — متكئًا على حافة السور، كان هو يجلس وكأنه في نزهة خاصة به. قدم على قدم. سماعات صغيرة في أذنه، مضغ قطعة حلوى بنعاس متعمّد. كان يعرف أن مدربه يناديه منذ عشر دقائق، لكنه رفع يده كساحرٍ يصدّ الريح: «حاضر… حاضر… دقيقة واحدة فقط.» الدقيقة تحوّلت إلى عشر والعشر تحولت الى ساعة. حين اقترب المدرب، قبض على قميصه الرياضي وأشار بسبابته: «تريد مضغ العلكة بدل الركض؟ إذن نظّف قاعة الرياضة كلها قبل أن تلمس الكرة مجددًا!» ابتسم بخفة، صافح المدرب الساخط كأنه يوقع اتفاقية سلام، ثم جرّ حقيبته بكتف واحد واتجه بكسل نحو قاعة الرياضة — حيث ستُقذف به وبخطاياه الصغيرة معًا. في قلب المدرسة، تقف قاعة الرياضة كفمٍ هائلٍ يبتلع كل من يعبر بابه. هو دَفع الباب بركلة خفيفة، وهي جاءت قبله بدقائق، تحمل عقوبتها الخاصة بعد المشادة الصغيرة. رفعت رأسها نحوه — هو رفع حاجبه نحوها. «آه… لم أكن وحدي إذن.» قالها بكسل وهو يرمي حقيبته قرب أحد الأركان. ردّت، دون أن تخلع وجهها الهادئ: «المشاغبون دائمًا يجتمعون هنا… حتى لو لم يعرفوا بعضهم.» اقترب خطوة، تفحّصها من رأسها حتى قبضتها المخفية: «وأنتِ؟ أراكِ لا تشبهين مشاغبة.» ردّت بابتسامة لا تطمئن أحدًا: «وأنتَ لا تشبه طالبًا ملتزمًا… مع ذلك نحن هنا.» جلسا على الأرض، وسط صدى كراتٍ تتدحرج حولهما وصوت المكنسة العتيقة التي تحكّ الأرضية. تكاسل عن التنظيف، جلست هي تراقب الغبار يتراقص تحت ضوءٍ مائل. بدأ بالكلام قبله: «لا أعرف اسمك — لكن الكل يعرفك. مثالية المدرسة، صح؟» لم تنفِ ولم تؤكّد. فقط وضعت مكنستها جانبًا وقالت: «وأنت… تلميذ العلكة المتأخر دائمًا؟» ضحك. ضحكته كانت كسكين يقطع صمت القاعة. «هذا لقب جيد! اكتبِه في سجل العقوبات.» تبادلا النظرات لحظة. كانت ترى فيه شيئًا من السخرية التي تكرهها — وكان يرى فيها شيئًا من الخطر الذي لم يعرفه من قبل. في تلك اللحظة، لم يكن أيٌّ منهما يعلم أن تحت أقدامهما مباشرةً، كان أحدهم يفتح عينيه للمرة الأولى منذ قرون. لو صمت الجميع قليلًا، لو أوقف أحدهم المكنسة وسكتت الضحكة… لسمعوا تشقّقًا خافتًا في الأسفل. لكنهم لم يسمعوا شيئًا — ولن يفعلوا… ليس الليلة. وتظل الأرض تحفر تحت أقدامهم جوعًا… ينتظر صفارة جديدة، صراخًا أعلى، أو اسما يُنطق خطأً — أي شيء يكفي ليوقظ ما كان نائمًا.