كازيلوما - ✦ الفصل الخامس – الصدق الأعظم ✦ - بقلم لولي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: كازيلوما
المؤلف / الكاتب: لولي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: ✦ الفصل الخامس – الصدق الأعظم ✦

✦ الفصل الخامس – الصدق الأعظم ✦

كانت لينو تجلس بجانب بِليف، في الظل المتشقق لشجرة "الحنين"، ووجهها لا يحمل أي تعبير… بل كان مثل صفحة بيضاء تتهيأ لكلمةٍ حاسمة. قالت وهي تمسك بتلة رمادية: "كل الطرق تؤدي إلى جذر الشجرة الأم. هناك، سأقولها." بِليف كتب على الفراشة: "تقولين ماذا؟" أجابت لينو، بعد صمت: "الحقيقة التي لم أجرؤ على الاعتراف بها. الكذبة التي تمنيتها ولم أرتكبها." "وما فائدة قولها الآن؟" "الشجرة مريضة بالصمت الأجوف… وكما قالت الناسيلا، لا يُشفى إلا حين تُقال الحقيقة الكبرى." "وهل تعرفين الطريق للجذر؟" "لا… لكنني أعرف الشعور الذي يدلّ عليه. إنه في قلبي، كلما شعرت أنني لا أنتمي." في الليلة التالية، عادت لينو إلى وادي البتلات. أمام الشجرة الأم، غاصت أصابعها في التربة… لم تكن تحفر، بل تطلب الإذن. وفجأة، بدأت الأرض تهتز برفق، وتشققات خضراء ناعمة تنفتح. خرج منها درب من بتلات منطفئة، يقود إلى أسفل الشجرة. نزلت لينو ببطء، بينما بِليف يتبعها. كلما تقدّما، بدأت اللغة من حولهم تضعف… لا صوت، لا طنين فراشات، فقط… شعور بأن الكلمات تراقب. وفي النهاية، وصلا إلى غرفة حجرية، داخلها جذر ضخم… متشابك مثل ضفيرة زمن، ينبض ببطء، كأنه قلب العالم. وعلى الجذر، كلمة واحدة منقوشة: "الصدق الأعظم." وقفت لينو أمام الجذر، دموعها في عينيها، وشفتاها ترتجفان. قالت: "كل حياتي... كنت فخورة بأني لا أكذب. كنت أظنها قوة." "لكن الحقيقة… أني تمنّيت مرة أن أكذب." "أردت أن أكون مثلهم، أن أقول ما يُرضيهم، أن أرتاح من ثقل الصدق." "لكنّي لم أفعل… وندمت، لا على الكذبة، بل على خوفي من قول هذا." ثم همست: "تمنيت أن أكذب." وفجأة… بدأت الجذور تهتز. أوراق الشجرة الأم ارتعشت، وخرج من الجذر نور أبيض، صعد إلى الأعلى كأنه نَفَسُ الأرض. وهناك، على سطح الوادي، بدأ الجميع يشعرون بشيء يتغيّر… أصدقاء لينو، حتى من ظنوا أنها مذنبة، ركضوا نحو الشجرة. نورا كانت أول من احتضنها، ورينا بكت بحرارة. بِليف أمسك يدها أمام الجميع، دون فراشة. في مجلس البتلات، ساد صمت مرعب. الملكة إيليزيا وقفت، ونزعت بتلاتها بصمت. "كنت أعرف... وكنت أخاف قولها." أحد الأعضاء صرخ: "هذا تمرد! جذر الشجرة لا يُمس!" لكن بتلاته ذبُلت في لحظتها. كل من كان مشاركًا في نفي الكلمات… بدأت كلماتهم تتبخّر من أجسادهم، وصاروا عاجزين عن نطق أي شيء سوى "أسف". لم يُعاقبوا، بل فقدوا القدرة على الكذب. وهذا كان العقاب الأصدق. من جذر الصدق الأعظم، خرجت بذرة بيضاء ناصعة. لم تكن تشبه البتلات القديمة، بل نبتت بلون الحليب، وشكل يشبه قلوبًا صغيرة. وحين نطقت لينو بكلمة واحدة: "صدق" اهتزت البذرة، وخرج منها صوت موسيقي لا يُشبه أي لحن سمعوه من قبل. كانت اللغة الجديدة… الهِربيلا البيضاء. لغة لا تنبت من أصوات… بل من نوايا صادقة. كل من تكلم بها، يُجبر على مطابقة كلامه مع قلبه. وكل من حاول الكذب… لا يستطيع نطق شيء. الناسيلا بدأت تتحول… لم تعد زجاجية، بل بلورية دافئة. بدل أن تتغذى على النسيان… صارت تتغذى على الاعتراف. الأشجار الميتة بدأت تورق من جديد. كلمات مثل "حنين"، "أمل"، "تمرد"، "حلم"، "نحن" عادت تنمو دون خوف. وحتى الفراشات… لم تعد ناقلات لغة فقط، بل مرايا محمولة للنية. بعد شهور… أصبح وادي البتلات مفتوحًا لكل من يحمل صدقًا داخليًا. لم يعد مجلس البتلات موجودًا… بل تحول إلى مجلس النية الشفافة. أما لينو… فكانت جالسة في ظل شجرة صغيرة نبتت من بذرة الهِربيلا البيضاء، ترسم على أوراقها المضيئة كلمة جديدة كل يوم. وفي إحدى الليالي، سألتها نورا: "هل انتهت القصة الآن؟" ابتسمت لينو، وقالت: "لا… القصة انتهت فقط لمن توقف عن البحث عن كلمته الحقيقية." ثم نظرت نحو الأفق، حيث نبتت أول شجرة من لغةٍ لم تُخلق بعد.