الفصل الثاني : ثمن الحقيقة
سنة 2025 – قسم الطوارئ
كانت أضواء قسم الطوارئ متوهجة بشكل يبعث على التوتر، تصطدم على الأرضيات المصقولة فتنعكس في جدران المشفى البيضاء. أصوات الأجهزة الطبية تصدح بين الحين والآخر، وأزيز المراقبة القلبية والهواتف المحمولة يضيفان وقعًا سريعًا على الإيقاع اليومي المزدحم.
كانت تسير بين الأرصفة الضيقة لقسم الطوارئ بخطوات واثقة، يديها مدفونتان في جيوب معطفها الأبيض، ملابس الأطباء المتعارف عليها، وقميصها المليء بالجيب العميق الذي يحمل أدواتها الضرورية. شعرها الداكن مربوط على شكل ذيل حصان محكم، يعلو كتفيها أثناء المشي. ملامحها حادة وجميلة في الوقت ذاته، عينان تراقبان كل حركة حولها، ووجهها يعكس تركيزًا لا يخلو من برودٍ مهني.
فجأة، ارتفع صوت الممرضين والممرضات من مختلف الزوايا:
"الطبيبة ميس! الطبيبة ميس!"
أخذت الأنفاس تتسارع في أرجاء القسم، فالإشارة واضحة: حالة مستعجلة وصلت للتو.
"لقد وصلت امرأة مطعونة!" صرخت إحدى الممرضات وهي تقود ميس إلى غرفة الطوارئ.
على السرير كانت المرأة شابة، وجهها شاحب وعينيها مغمضتان، بقع دم تتلطخ على صدرها وملابسها المشوهة. علامات الهلع والحيرة تبدو على الممرضة التي ترافقها، تحاول تهدئتها بينما تجلس على طرف السرير، جسدها مترنح بسبب فقدان الدم.
ميس لم تتردد، اقتربت من المصابة بسرعة، وألقت نظرة سريعة على حالة النبض والتنفس. أطبقت على جهاز مراقبة القلب، استمعت لنبضها، وضغطت على مناطق الجرح بدقة لتقييم مدى الضرر.
"كم مرة طُعنت؟" سألت الممرضة بصوت هادئ لكنها حازم.
"مرتين… في البطن" ردت الممرضة، وكأنها تحاول متابعة التعليمات.
ميس حركت جسد المرأة برفق لتحقق من أي نزيف داخلي، ثم نظرت إلى الممرضة مرة أخرى:
"حضري غرفة العمليات فورًا. سنحتاج إلى تدخل جراحي عاجل."
في تلك اللحظة، وصلت إليها معلومة جديدة: زوج المصابة موجود في المشفى، ووفقا له، فإن المرأة طعنت نفسها في حالة هستيرية.
التفتت ميس برأسها نحو الرجل، فوجدته واقفًا على بُعد خطوات قليلة، يرتجف خوفًا. كان رجلاً متوسط الطول، ذقنه نامية بشكل مبالغ فيه، وملابسه رثة تشير إلى قلقه النفسي وربما حياته المضطربة. عيونه تتنقل بين زوجته المصابة وميس، يظهر عليها الخوف والارتباك.
"هل… هل ستكون زوجتي بخير؟" صرخ الرجل بصوت مملوء بالقلق.
ميس اكتفت بإلقاء نظرة قصيرة عليه، عينها حادة وباردة، لا مكان فيها للشعور أو التعاطف في تلك اللحظة الحرجة.
"سنرى…" قالت بصوت هادئ، وكأن الجملة نفسها تحمل الثقة والبرود المهني في آن واحد.
الرجل ارتجف من الكلمات، يداه ترتعشان، بينما الممرضة أسرعت بتحضير غرفة العمليات، وأجهزة الطوارئ بدأت تصدر أصواتها عالية أكثر، وكأن كل شيء في المشفى أصبح على حافة الانفجار. ميس اقتربت من المصابة مرة أخرى، تركزت تمامًا، كل خطوة محسوبة، كل قرار
حاسم، في سباق مع الوقت والدم.
______
خرجت ميس من غرفة العمليات وهي تسحب أنفاسها قليلاً، لكن برودتها لم تفارق وجهها. نظراتها كانت مركزة، وملامحها التي لم تكشف شيئاً عن توترها، حملت نوعًا من الثقة المطلقة. اقتربت من زوج المصابة، الرجل الذي ظل واقفًا على مقربة من غرفة العمليات طوال فترة الجراحة.
ابتسمت ميس ابتسامة قصيرة، جافة، وقالت بصوت هادئ:
"زوجتك بخير… العملية نجحت."
تلك الكلمات كفت عن الرجل أن يتنفس، وجلس يرتعش قليلاً، بينما عيونه لم تفارق زوجته على سرير التعافي. لكن ميس لم تغادر دون أن تلتفت إليه بنظرة حادة، كأنها تراقب كل ردة فعل منه، تقرأ ما وراء صمت الخوف والارتباك.
كانت على وشك أن تمضي في طريقها، حين توقفت فجأة، التفتت نحو أحد الممرضين، وأشارت إليه بنبرة خافتة لكنها واضحة:
"اتصل بالشرطة حالًا."
الممرض لم يفهم تمامًا، لكنه اكتفى بإيماءة خفيفة، مدركًا أن الأمر عاجل ولا يحتاج لسؤال.
---
في تلك الأثناء، كان الرجل يقف خارج غرفة زوجته، يشعر بالارتباك والخوف الذي لم يزح عنه منذ دقائق. وفجأة، وجد نفسه محاطًا بضابطين حوله، دون أن يفهم كيف انتهى به المطاف إلى هذا الموقف، أو لماذا استدعوه.
الا أن احدهم اخبره أنه يجب عليهم الحديث معهم فيما يخص إصابة زوجته .
سألهم بصوت مرتعش:
"ماذا حدث؟ زوجتي طعنت نفسها وهي في حالة هستيرية ...حدث الامر فجأة ..."
فرد عليه أحد الضباط بصرامة:
"زوجتك طعنت نفسها بنفسها، لكن التحريات أظهرت مؤشرات تدل على تدخل خارجي…"
لم يفهم وكرر :
" تدخل خارجي ؟ ماذا تقول ؟ لم افهم ! من ؟"
ثم ظهر خلفه مشهدٌ جعل الدم يتجمد في عروقه؛ ميس، ببلوزتها البيضاء، تعقد ذراعيها على صدرها، عيناها مركّزتان عليه بلا أي تلميح للعاطفة، فقط تقييم صارم وحاسم.
اقتربت منه ميس ببطء، وشرحت له بطريقة هادئة لكنها قاطعة:
"هناك فرق واضح بين من يطعن نفسه بنفسه ومن يُطعن من شخص آخر. الطريقة التي تعرضت لها زوجتك، زاوية الطعن، عمق الجروح، الحركة المفاجئة للذراع… كل هذه التفاصيل توضح أن زوجتك لم تطعن نفسها بنفسها "
بدأت ألوان الصدمة تتجلى على وجه الرجل، شحوبه يزداد، وعيناه تتسعان من الخوف والدهشة.
الشرطة، دون أن يتركوا له مجالًا للمقاومة، أخبروه:
"الرجاء مرافقتنا دون أي عرقلة. إذا كنت بريئًا، سنتأكد من ذلك فور استيقاظ زوجتك."
لم يجد الرجل أمامه سوى أن يطيع، خطواته مترددة، نظراته تتجه مرارًا إلى ميس، نظرات غامضة، كان يوجهها إليها ...
ميس، من جانبها، لم تتحدث، اكتفت بالوقوف صامتة، عينيها ما زالت ترصده، كأنها تراقب كل تفكير يمر في ذهنه، بينما الشرطة تقوده بعيدًا نحو المجه
ول، والارتباك يزداد قلب الرجل سرعة.
_______
كانت الساعة تقترب من التاسعة ليلًا، حين خرجت ميس من بوابة المستشفى بعد يومٍ طويل أثقل كتفيها تعبًا.
هواء الليل البارد لامس وجهها، فتنفست بعمق، محاولة أن تنفض عن روحها ضجيج المرضى وصوت الأجهزة الذي ما زال يرن في أذنها.
أخرجت هاتفها من جيب معطفها، وفتحت تطبيق البودكاست.
كان التسجيل التاريخي المعتاد بصوته الهادئ قد بدأ ينساب عبر السماعات اللاسلكية في أذنيها، بينما راحت تبحث في حقيبتها عن المفاتيح.
صوت المفاتيح المعدنية تمازج مع وقع خطواتها على أرض الموقف شبه الخالي.
مدّت يدها نحو السيارة، تستعد لفتح الباب،
لكنها توقفت.
تجمّدت في مكانها تمامًا.
من بين ظلال الموقف المظلم، ظهر هو — الرجل الذي جاء في الصباح مع زوجته المطعونة.
توقف خطواته أمامها، ابتسامة باهتة ترتسم على وجهه، لا تشبه تلك التي يبتسمها الناس عادة عند اللقاء صدفة.
بضغطة خفيفة أوقفت ميس التسجيل في سماعتها،
ورفعت عينيها نحوه بهدوء بارد، يخفي خلفه مزيجًا من الحذر والاستغراب.
فمالذي يفعله هنا ؟ هل انتهى الإستجواب ؟
قال وهو يقترب خطوة:
"لم أكن أتوقع أن ألقاك هنا يا دكتورة."
ردّت بثقة مصطنعة:
"إذا كنت تريد الاطمئنان على زوجتك، يمكنك زيارة المستشفى حالتها مستقرة الآن."
اكتفى بإيماءة غامضة، ثم أضاف بصوت منخفض وكأنّه يتعمّد أن تسمع كل كلمة:
"بالتأكيد… يجب أن أطمئن عليها، خصوصًا أن الشرطة تنتظر استيقاظها لتتأكد من أنها طعنت نفسها بنفسها."
ميس لم تجب.
كانت تراقبه بصمت، تشعر بشيء غريب يتسلل داخلها — شعور ثقيل، غير مبرر.
ربما لأن ابتسامته لم تكن امتنانًا، بل شيئًا آخر… شيئًا خفيًا ومخيفًا.
اقترب منها أكثر، خطوة بخطوة، وهي تراجعت حتى شعرت بظهرها يلامس سيارتها.
حاولت أن تبدو ثابتة، لكن عينيها لم تخفيا التوتر الذي بدأ يتسلل إلى ملامحها.
قالت بحذر:
"الشرطة ستعرف الحقيقة بالتأكيد."
ضحك بخفة، نظراته زاحفة كسمّ بارد:
"لا شيء ستعرفه. زوجتي طعنت نفسها… في حالة هستيرية، لا أكثر."
لم ترد. قررت أن تنهي الموقف.
فتحت الباب محاولة الدخول إلى السيارة، لكن قبل أن تغلقه، باغتها بحركة مفاجئة.
ضرب الباب بعنف، فانغلق بصوت معدني دوّى في الموقف الفارغ.
تجمدت ميس في مكانها.
الخوف بدأ يتسلل إلى ملامحها، والهواء من حولها صار أثقل.
اقترب منها حتى صارت المسافة بينهما لا تتجاوز بضع سنتيمترات.
صوته تغيّر، صار أكثر عمقًا وغموضًا، وهو يميل برأسه نحوها:
"أخبِريني يا دكتورة…
كيف استنتجتِ أنها لم تطعن نفسها؟
أليس هذا عيبًا في حقي؟"
ردّت بصوت متحشرج، تخفي رعشتها:
"لقد تحدثتُ بصفتي طبيبة… لا أكثر ولا أقل."
رفعت يدها بسرعة نحو هاتفها تحاول الاتصال، لكنه ضربه بيده، فسقط أرضًا وانكسر جزء من شاشته.
صرخت فيه وهي تحاول التراجع:
"أنت مجنون! ابتعد عني!"
ابتسم… ابتسامة لم يكن فيها أي أثر للإنسانية.
قال بنبرة خبيثة وهو ينظر إلى يديها المرتجفتين:
"من الواضح أنك ذكية…
لكن، هل سيكون بقية الأطباء أذكياء مثلك؟"
عقدت حاجبيها، لم تفهم ما يقصده،
لكن قبل أن تتمكن من قول أي شيء —
شعرت بالسكين يخترق بطنها.
شهقة خرجت من صدرها مع أول طعنة.
نظرتها إليه كانت خليطًا من الدهشة والوجع.
حاولت أن تمسك يده، أن توقفه، أن تقول شيئًا — لكن الثانية جاءت أسرع.
ثم الثالثة.
ثم الرابعة…
كل طعنة كانت تمزقها أكثر، وكل مرة كان يحدق في عينيها كمن يستمتع بانطفاء الحياة منهما.
دموعها اختلطت بالدماء التي صبغت قميصها الأبيض.
يدها امتدت لتدفعه، لكنه دفعها بعنف حتى اصطدمت بسيارتها وسقطت على الأرض.
السكين سقط بجانبها،
مد يده ومسح بصماته عليها بعناية،
ثم أمسك بيدها الملطخة بالدم وجعلها تقبض على المقبض.
همس في أذنها قبل أن يبتعد خطوة:
"هكذا سيكون الأمر… ستظهرين وكأنك من فعلت ذلك بنفسك."
كانت أنفاسها تتقطع،
نظرتها شاردة، لا ترى إلا ظلالًا تتحرك أمامها.
رفات صوتها خرج همسًا، غير مفهوم.
الدماء تجمعت حولها كبركة داكنة.
رفع رأسه نحوها للحظة، ثم غادر ببطء،
فيما سقطت ميس أرضًا،
عيناها نصف مفتوحتين،
تحاول أن تأخذ نفسًا أخيرًا…
لكن الهواء رفض الدخول.
جسدها ارتجف للحظة، ثم سكن تمامًا.
سقطت السماعة اللاسلكية من أذ
نها،
وعاد البودكاست يعمل وحده —
صوت الراوي يهمس من بعيد:
"في نهاية كل حرب… لا يبقى إلا الصمت