الفصل الاول : حين يقتل الحب صاحبه
ملاحظة : جميع الشخصيات التواريخ الأحداث لاعلاقة لها بالواقع الرواية فقط من أجل المتعة
في عمق الصحراء الممتدة بلا نهاية، حيث لا يُسمع سوى صفير الريح وهي تعزف على أوتار الرمال، قامت قبيلة بنو المرجان، تلك القبيلة التي ذاع صيتها بين العرب قديمًا، لا لقوتها ولا لثرائها، بل لجمال نسائها الذي فاق الوصف.
قيل إن الله جمع في بنات المرجان من الحُسن ما تفرّق في سائر النساء، حتى صار يُقال في الأمثال: “من أراد أن يرى الجمال فليزر بنو المرجان عند الغروب.”
كانت نساء القبيلة متفردات في ملامحهن؛ بياض مشوبٌ بحمرةٍ خفيفة، وعيون واسعة كعيون الظباء، وشعور طويلة تنسدل على الكتفين كسيلٍ من الليل، أما أناقتهن فكانت بسيطة، لكنها آسرة.
يلبسن ثيابًا طويلة من الكتان الخفيف أو الحرير المزخرف بخيوطٍ ذهبية على الأطراف، تتماوج مع خطواتهن فوق الرمال، ويغطين رؤوسهن بأوشحة شفافة من قماشٍ ناعم تفوح منها رائحة العطر العربي القديم – مزيج من المسك والعنبر والورد.
تلك البساطة، حين تراها، تعلم أن الجمال عند بنات المرجان لا يُصنع، بل يُولد معهن.
أما رجال القبيلة، فكانوا على خلاف نسائهم في الطباع والمظهر.
وجوههم تكسوها قسوة الصحراء، سمراء يلوح فيها أثر الشمس والرياح، وعيونهم حادة كأنها صُقلت بالسيوف، وهيبتهم تسبق أسماءهم.
عرفوا بالصرامة والوفاء، والاعتزاز بالشرف والكرامة، لا يضحكون إلا قليلاً، ولا يتحدثون إلا بما يُلزم.
كانت كلمتهم وعدًا لا يُرد، وغضبهم كالنار إذا اشتعل لا يطفئه سوى الدم.
هكذا كان رجال بنو المرجان، أبناء الرمال والقوة، صُلبين كالجبال، لا يعرفون في الحياة إلا الشرف والسيف.
تنتشر بيوت القبيلة على هيئة صفوف غير منتظمة تحيط بساحة واسعة تتوسطها نخلة باسقة، وموقد نار لا ينطفئ ليلًا ولا نهارًا.
تُبنى البيوت من الطين المدكوك والحجارة الصغيرة، تُغطّى أسقفها بسعف النخل وجلود الإبل، وفي داخلها أفرشة من الصوف والوبر، وأوانٍ من النحاس تُبرق تحت ضوء النار.
ومن بعيد، كان يُرى بيتٌ واحدٌ يعلو سائر البيوت حجمًا وهيبة، بيت رئيس القبيلة، الشيخ مرجان بن ناصر، يعلوه راية حمراء تتراقص في مهبّ الريح.
لكن تلك الليلة لم تكن كسائر الليالي.
فأمام بيت الشيخ، قامت القيامة.
تجمّع الرجال والنساء في الساحة، أصواتهم تعلو وتختلط بالريح، والغبار يملأ الجو كأن الصحراء نفسها تضطرب.
والاسم الذي تردّد على الألسنة، كالصاعقة في كل أرجاء المكان، كان: "ثُرَيّا!"
كانت ثريا جالسةً على الأرض في منتصف الحلقة، ويديها ترتجفان في حجرها.
عيناها شاخصتان نحو رجلٍ يقف أمامها، قوي البنية، عريض المنكبين، في عينيه غضب يكفي لإشعال حربٍ كاملة.
يده تمسك بمقبض سيفٍ لامعٍ، والحدّ موجه نحوها، يقطر من لمعانه وعيد الموت.
هو الرجل الذي خُطبت له، والذي أعلن الشيخ مرجان قبل قليل أنه يملك الحق في قتلها، بعد أن اتُهمت بخيانة عهد الزواج مع رجلٍ آخر.
وإلى جانبها جلس رجلٌ كبير في السنّ، ذا لحيةٍ بيضاء كثيفةٍ، ووجهٍ تكسوه التجاعيد كأنها خريطة عمرٍ طويلٍ من الحروب والمجالس.
كان يرتدي عباءةً داكنة مطرزة بخيوطٍ ذهبية، وعلى رأسه عمامة بيضاء عريضة.
هيبته تفرض الصمت، وصوته، حين نطق قبل لحظات، أوقع الرعب في القلوب.
ذلك هو الشيخ مرجان بن ناصر، والدها وزعيم القبيلة، الذي أعلن أمام الجميع أنّ الحق فوق البنوة، وأنّ شرف القبيلة لا يُمسّ، ولو كان الثمن ابنته الوحيدة.
خلف ثريا، كانت أمها وأخواتها الخمس يقفن وقد خنقتهنّ الدموع.
عيونهنّ محمرة، وأصوات بكائهنّ مكتومة بين شفاهٍ مرتجفة، لكن لم تجرؤ إحداهنّ على النطق بكلمة، فالقانون في القبيلة صريح، والمرأة لا تُدافع عن أخرى حين يتكلم الرجال.
رفعت ثريا رأسها للحظة، نظرت إلى السماء وقد خيّم الغروب عليها كستارٍ من الدم، ثم أغمضت عينيها بهدوء.
لم ترتجف، ولم تصرخ، فقط استسلمت للصمت.
وفي داخلها، كان صوتٌ خافت يهمس
"ما كنت أظنّ أنني سأموت مرتين...
ظننتُ أنني حين وُلدت من جديد نُحت لي عمرٌ آخر، لكن يبدو أن الموت لا يملّ من الأقدار."
ساد السكون لثوانٍ، سوى صوت الريح وهي تدور حول الخيام كأنها تنوح، والسيف يلمع في يد الرجل المنتظر إذنًا لا يأتي إلا من عيني الشيخ.
وفي تلك اللحظة، كانت ثريا، ابنة المرجان، على وشك أن تعود إلى موتها الثاني...
---
عودة إلى ايام مضت ....
في قصر الرئيس مرجان بن ناصر، كانت النسوة تتحركن بين أرجاء المطبخ والفناء بسرعة وأناقة، يتسارعن لإعداد وليمة العشاء.
فاليوم كان من المقرر أن يجتمع الرئيس مع رجال قبيلة بنو المرجان أنفسهم – رجال الثراء والنفوذ والدهاء – لمناقشة أوضاع القبيلة كما جرت العادة، ومن واجب نساء البيت أن يُكرمن ضيوفهن بإعداد الطعام والشراب على أكمل وجه.
تعاونت جميع نساء البيت، بدءًا من زوجة الرئيس عزيزة وبناتها الخمس، وصولاً إلى بعض القريبات.
كانت الحركة سريعة ومنظمة، والجوّ مشبعًا برائحة الأعشاب والتوابل، وأصوات الأواني وهي تصطدم ببعضها تناغمًا مع همسات التحضير والنقاشات الخافتة بين النساء.
وفي ركنٍ من أركان المطبخ، كانت إحدى البنات تعمل بهدوء، كعادتها، دون أن تجذب الانتباه.
كانت ثريا، وقد بدا جمالها هادئًا، متناسقًا، وكأنه رُسم بريشة فنانٍ بارع.
ترتدي ثوبًا طويلًا من الكتان الخفيف بلون البيج المائل إلى الذهبي، مطرّزًا عند الأطراف بخيوط دقيقة من الحرير، وشاحًا شفافًا يلف شعرها قليلا دون أن يخفي ملامح وجهها.
ومن الواضح من ملامحها وعمرها أن سنة السابعة عشر لم تكتمل بعد.
كانت تعمل بهدوء، حتى ارتجف الجو عند سماعها صوت خطوات غاضبة وثقيلة.
صوت مألوف؛ كان خطوات والدها، لكنه لم يكن كعادته، بل محمّل بالغضب والتوتر.
رأت والدتها عزيزة تتقدم مسرعة لتساعده على خلع سترته، وتنظر إليه بقلق، محاولة التخفيف من حدة توتره.
ثم صرخ الأب فجأة، صوته حادّ وعصبي
"بنو الدهام…"
تنهدت الأم، وفهمت البنات جميعهن معنى الاسم الذي تردد في أرجاء القصر، وكم أنه كان يبعث في قلوبهن الكره والحذر.
قبيلة الدهام المجاورة، تلك التي لطالما نشبت بينها وبين قبيلة المرجان الحروب والخصومات، قبيلتان متعاديتان لا تطيق إحداهما الأخرى.
و حتى بعد الحرب الأخيرة قبل عام، والتي كانت كارثية بكل المقاييس، تمكنت القبيلتان من توقيع معاهدة هدنة لإنهاء الثأر الدموي، ومن أهم شروطها:
لا يمكن لأي فرد من قبيلة أن يتزوج من القبيلة الأخرى.
الأعمال والمساعدات يجب أن تُحجم لتجنب أي احتكاك مباشر.
وكان الجميع يعرف القوانين جيدًا، ومع ذلك ظل الكره متجذرًا في النفوس.
أما الأب، فغضبه لم يكن بسبب الخلاف السياسي أو الحرب، بل لأن بضاعته كان من المقرر أن تُرسل إلى قبيلة أخرى اليوم، لكنها اضطرّت للمرور أولاً عبر قبيلة الدهام، وهناك تعطل دفع المال لأجل المرور، فتأخرت البضاعة عن موعدها المنشود.
لكن ثريا لم تبد أي اهتمام بانزعاج والدها، ولم يبدُ على وجهها أثر الغضب أو الحقد الذي يعتري باقي أفراد القبيلة عند سماع اسم الدهام.
بل على العكس، كان قلبها ينبض بشيء مغاير تمامًا؛ شيء لم يفهمه أحد في البيت، حتى هي نفسها لم تصفه إلا في صمتها الداخلي.
لقد كان قلبها محبًّا منذ سنة واحدة، عاشقًا في سرّها العميق، حُبًا لم يجرؤ على الظهور، حبًا لرجل واحدٍ من قبيلة الدهام.
هو هتان بن الدهام، رئيس قبيلتهم، الفتى القوي، الواثق من نفسه، الذي أثار قلبها منذ اللحظة الأولى، وأصبح عشقًا دفينًا في أعماق روحها، حلمًا متمنياً أن يتحقق يومًا.
ورغم كل الحروب والعداوات والكره بين القبائل، بقي هذا الحب نقيًا، خفيًا، وجامدًا في قلبها، لا يزعزعه شيء، حتى صرخات الأب وغضب الرجال من حولها.
---
كانت قد عادت إلى غرفتها بعد أن أنهت تجهيز السفرة.
كانت السفرة قد أُعدّت بعناية، تحوي أطباقًا عربية قديمة تقليدية: صوانٍ من الأرز المفلفل مع قطع الدجاج المشوي، مرق اللحم مع الخضار، الفلافل والسمبوسك المحشوة باللحم والبهارات، وأطباق التمر والمكسرات المحمصة، إلى جانب جرار من الماء والعصائر الطازجة.
تألّقت الأطباق على الصواني النحاسية البراقة، كأنها تعكس ضوء المصابيح الزيتية، فتبدو السفرة لوحة فنية متكاملة من الألوان والروائح.
وضعت يدها على خدها، ونظرت إلى السماء المنيرة بالنجوم، تتأمل تلك النقاط الفضية الصغيرة المتلألئة على خلفية الليل الأسود، كيف تتناثر كحبات اللؤلؤ فوق عباءة السماء الواسعة.
كان ضوء النجوم ينعكس على وجهها، فيكشف عن نعومة بشرتها، وعيونها الواسعة التي تحمل في عمقها أسرار قلبٍ عاشق.
لم تكن تهتم بالفوضى التي خلفتها شقيقاتها، الأصغر سنًا والأكبر منها قليلاً، فقد كانت هي الأخت الثانية بعد اختها الكبرى، التي تزوجت وجاءت هذه الليلة لقضاء الوقت معهن لأن زوجها قد سافر لتوصيل البضاعة ولم يعد بعد.
كانت تفكر في كل شيء، وبالطبع في حبيبها هتان، في ذلك الحب الذي قلب قلبها رأسًا على عقب.
تتذكره كل ليلة منذ عام كامل.
تذكرت اليوم الذي رأته فيه لأول مرة، اليوم الذي جاء فيه بنفسه لتوقيع اتفاقية الهدنة مع والدها.
وتذكرت الصدمة التي اجتاحتها حين رأته من خلال النافذة.
لم يكن أحد يتوقع أن هتان، الذي لم يتجاوز السادسة والعشرين بعد، يتولى منصب رئيس القبيلة.
صغير السن، لكنه أخذ المنصب بعد والده، وأثبت جدارته وشجاعته بكل معنى الكلمة.
تذكرت تلك اللحظة التي التقت فيها عيناها بعينيه، ولم تكن تضع شيئًا فوق رأسها، فقد كانت هي وشقيقاتها ينظرن إلى الفوضى التي أحدثها فرسان قبيلته على الخيول من النافذة من خلف الغطاء ، وأهل القبيلة ظنوا أن حربًا قادمة فراحوا ينادون على رئيسهم، والدها.
حينها وقعت عيناه عليها، لكنه سحب نظره فورًا.
وقعت ثريا له من هذه الحركة.
صحيح أن رجال قبيلتها رجال بمعنى الكلمة، لكنهم يفعلون هذا فقط مع نساء القبيلة . فكل ما يهمهم هو الشرف.
أما هتان، بتصرفه هذا، أثبت أنها يمكن أن تثق به، وأنه لن ينتهك حياء امرأة، حتى لو كانت من قبيلتهم العدوة.
كانت تتذكر صوته وهو يتحدث مع والدها، صوته الواثق والحازم، وكلماته التي كانت تثير حنق والدها وتعابيره الصارمة.
تذكرت كيف مرت الأيام، واسم هتان لم يفارق البيت ولا القبيلة خلال أيام عقد الاتفاقية، وحتى يوم توقيعها.
وعادت إلى الواقع عندما طلبت منها شقيقاتها أن تقفل النافذة بسبب البرد، وأن تأتي لتنام، فقد تأخر الوقت.
جلست ثريا للحظة، تنفست بعمق، وأغمضت عينيها، بينما قلبها لا يزال يخفق باسم هتان، وذكرياته التي لا تفارقها.
---
استيقظت ثُريّا مع أول خيوط الشمس، حين تسلّلت الأشعة الذهبية عبر شقوق النافذة الطينية، تلامس وجهها بخفّةٍ كأنها توقظها همسًا. اعتادت أن تنهض قبل الجميع، فهي كبرى أخواتها، والمسؤولة عن إيقاظهن كل صباحٍ ليبدأن أعمال الدار.
صوت الماء في الجرار، حفيف القشّ تحت أقدامهن، ورائحة الخبز حين يُخبز على الصاج — تلك كانت سيمفونية الصباح في بيت آل المرجان.
تحرّكت بخفّةٍ نحو الركن حيث تنام شقيقاتها، نادتهن بنبرةٍ رقيقة، ثم خرجن معًا لتجهيز الإفطار قبل أن ينهض والدهن.
كان على البنات أن يسبقن الشمس في نشاطهن، فبعد إعداد الطعام، تأتي مهام تنظيف الدار، ثم إطعام الخيول والإبل في الحظيرة المجاورة، حيث تُسمع أصواتها الممزوجة برائحة العشب والعرق والغبار.
غير أن هذا الصباح لم يكن ككلّ صباح.
فما إن جلس والدها إلى المائدة الخشبية العتيقة، حتى ناداها بصوته الجهوري الحازم:
«ثُريّا، اجلسي هنا.»
توقفت في مكانها، وقد اعتادت أن تُنادى للأوامر لا للأحاديث.
نظرت نحو والدتها، علّها تجد في عينيها تفسيرًا، لكنها وجدت الحيرة ذاتها.
جلست على الأرض إلى جواره، قلبها يخفق دون سبب واضح، والسكوت يملأ الغرفة.
رفع والدها رأسه نحوها، وصوته الذي لا يعرف اللين قال بوضوحٍ لا يقبل نقاشًا:
«جاءكِ خاطب.»
في تلك اللحظة، شعرت ثُريّا وكأن الأرض انزلقت من تحت قدميها.
لم تنطق، ولم ترفع عينيها إليه، بينما تابع الأب كلامه ببرودٍ معتاد:
«إنه من فرساني، رجلٌ من بني المرجان، عُرف بالقوة والشهامة، فارس لا يُشقّ له غبار.»
كلماته كانت كالسيف، حادّة وواضحة، لكن قلبها لم يسمع سوى الصدى.
هي تعرف أن رجال بني المرجان لا يبتسمون حين يتحدثون عن الزواج، ولا يسألون بناتهم عن رأيٍ أو رغبة.
فالنساء في عرفهم يُزوّجن كما تُهدى الجياد النفيسة إلى من يستحقّها.
كانت أمّها تراقبها بصمت، كأنها تريد أن تقول شيئًا ثم تتراجع،
أما ثُريّا فظلت تنظر إلى الأرض، تحاول أن تُخفي اضطراب أنفاسها،
وتسأل نفسها بصمتٍ موجع:
هل هذا قدري؟ أن
أكون جائزة في ساحة رجولتهم؟
---
لم تستطع ثُريّا أن تُكمل عملها ذلك اليوم.
كانت تتحرك كمن يسير في حلمٍ ثقيلٍ لا يريد أن ينتهي.
يدها تمسح التراب من فوق الأواني، لكنها لا ترى شيئًا، وعقلها مشغولٌ بفكرةٍ واحدةٍ تطرق رأسها بلا رحمة:
«سأتزوج!»
كلمةٌ لا تزال تُدوّي في أذنها بصوت أبيها الجافّ، فتهتزّ داخلها كلّ رغبةٍ في الحياة.
نادت عليها أختها الصغيرة أكثر من مرة، لكنها لم تُجب.
وحين اقتربت منها ونادت بحدة:
«ثريا! أأنتِ صمّاء؟ أكلمك منذ ساعة!»
انتفضت ثريا من شرودها، رمقتها أختها بنظرةٍ ضجرٍ وقالت:
«ما بالك اليوم؟ أأصابك مسّ؟»
همست ثريا بصوتٍ مبحوح:
«أنا... في مشكلة.»
رفعت أختها حاجبيها، ثم ضحكت بسخريةٍ خفيفة:
«منذ متى أصبح الزواج مشكلة؟»
ثم تابعت وهي تلوّح بيدها متظاهرة بالدهشة:
«بل أحمدي الله يا أختاه! لن تتزوجي أيّ رجل، بل فارسًا من فرسان المرجان! من غيره يُقال عنه فارس القبيلة؟»
كانت الكلمات كالسكاكين، تُغرق ثريا في مرارةٍ لا تُحتمل.
رفعت عينيها إليها، وفيها دموع قهرٍ لم تعد قادرةً على حبسها، وقالت:
«لكني لا أريد الزواج.»
تراجعت أختها خطوة، ثم تمتمت بنبرةٍ مترددةٍ خفّ فيها الاستهزاء:
«لا تريدين الزواج... أم لا تريدينه هو؟»
صمتت ثريا.
الجوّ بينهما امتلأ بتوترٍ ثقيل، حتى لم تعدا تسمعان سوى أنفاسهما.
في تلك اللحظة، دخلت الأم، وقد بدت على وجهها علامات الضيق:
«ما بكما؟ تأخرتما، والدار كأنها مقبرة. ماذا يحدث هنا؟»
بادرت الأخت قائلةً دون تفكير:
«ثريا تقول إنها لا تريد الزواج، يا أمّي!»
تغيّر وجه الأم، وظهرت على ملامحها سحابة قلقٍ مفاجئة.
تقدّمت نحو ثريا وسألتها بصوتٍ منخفضٍ لكنه يحمل حدّة الأم التي تعرف خطورة ما يُقال:
«أحقًّا ما تقول أختك؟»
أومأت ثريا برأسها بخوفٍ، ثم أمسكت بيدي أمها تتوسلها بعينين دامعتين:
«أماه، ساعديني... أرجوكِ، افعلي شيئًا. لا أريده، لااحبه لا أستطيع!»
تجمّدت الأم لوهلةٍ، ثم شهقت بخفوت:
«لا تحبينه؟!»
ضحكت بمرارةٍ قصيرة:
«ومنذ متى تتزوج النساء برجالٍ يحبونهم؟ ثم أيّ حبّ هذا الذي تتحدثين عنه يا ثريا؟!»
لكن صمت ثريا المرتجف زاد شكوكها.
قبضت الأم على ذراع ابنتها بقوةٍ جعلتها تئنّ:
«لا تقولي لي إنك... تعرفين رجلًا؟! إن سمع والدكِ بهذا، سيقتلكِ بيده! أفهمتِ؟!»
شهقت ثريا بخوفٍ، وهزّت رأسها بسرعةٍ وهي تهمس:
«لا! أقسم لكِ يا أمي، لا أحد! لا أحد!»
تدخلت أختها بخفوتٍ مرتجف:
«أماه، اهدئي... لقد سمعت خطواتٍ بالخارج.»
تراجعت الأم، تلتقط أنفاسها، ثم قالت بنبرةٍ حازمةٍ وهي تُشيح بنظرها:
«اسمعيني جيدًا يا ثريا. ستتزوجين، وتهدئين، وتنتهي هذه الحماقة. هكذا هي الحياة في قبيلتنا، انت لست أول من يسير في هذا الطريق ولا آخره.»
أرادت ثريا أن تتكلم، أن تقول إنها لا تُريد، إن قلبها يرفض، لكن صوتها خذلها.
قالت الأم وهي تُشيح بوجهها نحو الباب:
«القرار بيد أبيكِ وحده... وسيبقى كذلك، كما كان دائمًا.»
وبقيت ثريا واقفة في مكانها،
تُمسك ذراعها حيث شدّتها أمها،
تشعر بأن الهواء في صدرها صار أثقل من أن يُتنفس،
وبأن الشمس التي أشرقت هذا الصباح لم تكن سوى شاهدٍ جديدٍ على انكسارٍ آخر في روحها.
---
بينما كانت نساء البيت منشغلاتٍ في أعمال البيت المعتادة، دخل مرجان بن ناصر بخطواتٍ ثابتةٍ وصوتٍ لا يخطئ أحدٌ نبرته.
نظر إلى زوجته بعينيه الجافتين وقال دون تمهيد:
«اشرعي في التحضيرات. سنُقيم وليمةً الليلة، فالفارس أبلج قادم للحديث في أمر زواج ثريا.»
ساد صمتٌ ثقيل، لم يُسمع فيه سوى صدى كلماته.
رفعت الأم رأسها نحوه بارتباكٍ وهمست:
«زواج... الليلة؟!»
قال بصرامةٍ لا تقبل نقاشًا:
«الليلة، ولا داعي للتأخير. الفارس رجلٌ معروف، وشجاع، وأريد أن أراه زوجًا لابنتي.»
ثم مضى بخطواتٍ واثقةٍ، تاركًا خلفه نساء البيت في دوّامةٍ من الذهول.
كانت ثريا تقف في آخر الممر، يديها ترتجفان ووجهها يبهت شيئًا فشيئًا.
اقتربت من أمها بصوتٍ خافتٍ مرتجف:
«أماه... لا أريد... لا أستطيع!»
استدارت إليها الأم بسرعةٍ حادة وهمست بلهجةٍ يملؤها الخوف:
«اصمتي حالًا! لا تتحدثي بهذا الكلام ثانيةً! إن سمعك والدكِ لن يرحمكِ، لا أنتِ ولا أنا!»
لكن ثريا لم تستطع كتم يأسها، قالت وهي تمسك بثوب أمها:
«أرجوكِ، قولي له... اجعليه يعدل عن الأمر... أنا لا أريد الزواج!»
نظرت إليها الأم بعينين فيهما ذعرٌ وشفقةٌ في آنٍ واحد، ثم دفعتها برفقٍ وهي تقول بخفوتٍ عصبيّ:
«ثريا، كفى! إن الزواج نصيب، ولا رادّ له. لا تثيري المشاكل!»
لكنها لم تحتمل أكثر، فانسحبت ثريا من المكان بخطواتٍ متعثّرة، ودموعها تلمع على خديها.
كانت تسمع همسات أمها خلفها وهي تناديها:
«عودي يا ثريا ، عودي حالا!»
لكنها لم تعد.
---
حلّ المساء سريعًا، واشتعلت أرجاء الدار بالحركة.
تتصاعد روائح اللحم المشويّ والبهارات العربية التي كانت تُنثر بسخاء على الموائد،
وقد أُشعلت المشاعل حول الساحة، واصطفّ الجميع لنقل الأطباق النحاسية الكبيرة التي تلمع تحت ضوء النار.
كانت الوليمة على طريقة العرب قديماً:
صوانٍ ضخمة من اللحم والتمر، وأوانٍ مملوءةٌ بـالمرق والسمن والعسل، وجرارٌ من اللبن الفاتر.
أما الرجال، فقد أخذوا أماكنهم على السجاد المفروش قرب الموقد الكبير، بينما تصدّرت كؤوس الشراب العربيّ المجلس.
جلس مرجان بن ناصر في صدر المجلس، بثيابه البيضاء الناصعة، وعمامته السوداء التي تدلّ على مكانته بين رجال القبيلة.
وبجواره جلس أبلج، الرجل الذي اختاره زوجًا لابنته.
كان أبلج رجلاً طويل القامة، عريض المنكبين، ذا بشرةٍ سمراء داكنةٍ صقلتها شمس الصحراء، وعينين حادّتين كعيني صقرٍ يراقب فريسته.
كان يرتدي عباءةً من وبر الإبل فوق ثوبٍ بنيّ اللون، وقد علّق خنجرًا منحوت القبضة عند خاصرته.
صوته جهوريّ، يملأ المكان حين يتحدث، والابتسامة لا تفارق شفتيه وهو يقول:
«يشرفني يا مرجان أن أربط نسبي بنسبكم. ابنتكم كريمة الأصل، وسأصونها كما أصون نفسي.»
ضحك مرجان برضا، ورفع قدحه قائلًا:
«وهل أجد أفضل منك زوجًا لها يا أبلج؟ رجلٌ فارسٌ، لا يُشقّ له غبار!»
كان الفخر ظاهرًا في عينيه، والسرور يعلو ملامحه.
---
في الجهة الأخرى من الدار، كانت ثريا جالسة بين أمها وشقيقاتها،
وجهها شاحب، وصوتها لا يكاد يُسمع، بينما تحاول أمها تهدئتها، وشقيقاتها يتناوبن الحديث معها.
قالت الكبرى وهي تبتسم بتصنّعٍ وهي تسرّح شعرها:
«يا أختي، الرجل لا يعيبه شيء. قويّ، وسيحميكِ، وستعيشين بخيرٍ وكرامةٍ.»
وأضافت الأخرى وهي تضحك بخفة:
«أبلج فارس القبيلة، وكل النساء يتمنّين أن يكنّ مكانك، فلماذا البكاء؟»
لكن ثريا لم تجب، كانت عيناها غارقتين بالدموع، وصوتها يأتي متقطعًا:
«أنا لا أمانع الزواج... لكن ليس منه... ليس منه!»
سادت لحظة صمت، نظرت فيها الأم إلى ابنتها بدهشةٍ غاضبة وهمست:
«إذن من؟!»
لم تستطع ثريا الكلام، بل أطرقت رأسها، وفي قلبها اسمٌ واحد يهتف بلا توقف...
هتّان.
ذلك الفارس الذي أسر قلبها منذ عامٍ مضى، والذي صار حبّه قدرها المستحيل.
هي لا تطمع في لقائه، لا ترجوه زوجًا، لكنها فقط لا تستطيع أن تكون لغيره.
كانت تفكر:
"حتى لو متُّ دون زواج... يكفيني أن أعيش على ذكرى عينيه."
لكن حين سمعت الأم وقع خطواتٍ في الخارج، أسرعت تمسح دموع ابنتها وتهمس بصوتٍ خافتٍ مرتعب:
«امسحي دموعكِ، بسرعة! والدكِ قادم!»
دخل بن ناصر بخطواتٍ ثقيلةٍ، وقف أمام ابنته، نظر إليها بعينين جامدتين، ثم قال بصوته المألوف الذي لا يحمل سوى الأوامر:
«الأمرُ انتهى. أبلج وافق، وأنا كذلك. زواجكِ سيكون بعد ثلاثة أيام.»
وقفت ثريا مذهولةً، ثم تقدمت نحوه بخطواتٍ مترددةٍ، والدموع تملأ وجهها:
«أبي، أرجوك... لا تفعل. لا أريده، لا أستطيع الزواج منه!»
لكن صوته ارتفع حادًا:
«قلتُ انتهى! وما يُقال في بيتي لا يُعاد!»
سقطت على الأرض عند قدميه، تمسك بطرف ثوبه، تبكي بحرقةٍ وهي تهمس:
«أبي، بالله عليك... لا تفعل بي هذا!»
نظر إليها ببرودٍ لم تعرف له مثيلًا، ثم التفت نحو زوجته وقال بلهجةٍ قاطعةٍ لا تقبل جدالًا:
«ابدئي في تجهيزها.»
ثم استدار وغادر الغرفة دون أن يلتفت إليها، كأن بكاءها لم يكن سوى صدى في الريح.
ظلت ثريا على الأرض، ممدّدة، تتنفس بصعوبةٍ بين شهقات البكاء.
اقتربت منها شقيقتاها تحاولان رفعها، لكن جسدها كان ثقيلاً كأنها فقدت روحها.
تراقب الباب الذي خرج منه والدها بعينين غائبتين، والدموع تسيل بصمتٍ، كأنها تودّع ما تبقّى من حياتها.
---
الليلة التي سبقت زفافها كانت ثقيلة، خانقة، وكأنّ الزمن فيها يجرّ نفسه جراً.
جلست ثُريّا في غرفتها، في نفس المكان الذي لم تفارقه منذ أيام، لا تتحرك، لا تتكلم، لا تشارك في أيّ من تجهيزات العرس.
البيت كلّه كان يغلي بالاستعدادات، وصوت أخواتها وضحكاتهنّ يتردد في الخارج، أمّا هي فكانت سجينة أفكارها، تائهة في حزنها، لا تريد شيئًا سوى أن يتوقف هذا القدر عن المضيّ.
لم تكن تريد الزواج.
لكن من سيسألها عمّا تريد؟
ففي دار مرجان بن نصّار، لا رأي للنساء، ولا يُسألن عن مصيرهنّ.
كانت تجلس قرب النافذة، تحدّق في السماء المليئة بالنجوم، تلك التي كانت تسكن قلبها منذ طفولتها، والتي لطالما وجدت فيها سلوى وأملاً.
لكن الليلة، بدت النجوم باهتة… بلا ضوء، بلا عزاء.
سال الدمع من عينيها بحرقة، خافتة النشيج، حتى كأنّ جدران الغرفة شاركتها صمتها الحزين.
دخلت شقيقتها، وبدت تحاول أن تكسر ثقل اللحظة بابتسامة مصطنعة، وقالت بنغمةٍ خفيفة:
«ثريا… الهدايا وصلت!»
رفعت ثريا رأسها ببطء، بعينين متورّمتين من البكاء.
تابعت أختها، محاوِلة بثّ الحماس في صوتها:
«أبلج بنفسه هو من جاء بها! صناديق خشبية مليئة بالحرير والذهب والعطور القادمة من بلاد الشام. حتى أمّي قالت إنّها لم ترَ كرمًا كهذا!»
لكن كلماتها لم تدخل قلب ثريا إلا كطعنةٍ جديدة.
الهدايا التي كانت تُعدّ بشرى سعيدة لكل فتاة، كانت بالنسبة لها علامة النهاية.
الزواج أصبح حقيقة، ولم يعد أمامها مهرب.
غطّت وجهها بكفّيها، وانفجرت بالبكاء مجددًا، بحرقةٍ أقرب إلى النحيب، حتى ارتبكت أختها، وتقدّمت منها بخطواتٍ حائرة.
جلست إلى جوارها وسألتها بصوتٍ خافتٍ مرتجف، تخشى أن يسمعها أحد:
«ثريا… قولي لي بصدق، أفي حياتكِ رجل؟»
رفعت ثريا رأسها ببطء، نظراتها حائرة، لا تفهم المقصود.
«رجل؟ ماذا تعنين؟»
تابعت الأخت بجديةٍ ممزوجة بالقلق:
«أعني… هل ثمة من وعدكِ بالزواج؟ من تحبينه؟ هل تبكين لأجله؟»
هزّت ثريا رأسها بقوة وهي تجهش بالبكاء
«لا… لا يوجد أحد! والله لا يوجد!»
لكن أختها لم تبدُ مقتنعة، فقالت بصوتٍ خافت لكنه واضح:
«إن كان هناك من تحبينه، فاهربي معه. خذي حريتكِ وعيشي بعيدًا عن هذا المكان.»
شهقت ثريا، ونظرت إليها بصدمةٍ وقد اتسعت عيناها كأنها سمعت قولًا محرّمًا:
«أهرب؟! كيف لي أن أفعل ذلك؟! هذا مستحيل!»
نهضت واقفة، وصوتها المرتجف خرج يحمل خوفًا وغضبًا معًا:
«حتى لو أحببتُ، كيف أهرب؟ أين ساهرب ؟ والمرجان لا يرحمون… كلّ شيء يُغتفر إلا الشرف! لن يتركوكم لن يتركوا أمي»
تنهدت أختها بيأس، وقالت وهي ترفع يدها كمن سلّم أمره:
«افعلي ما تشائين يااختاه… لكن هذه فرصتكِ الوحيدة إن كنتِ حقًا تحبين.»
ثم خرجت، تاركة خلفها الباب نصف مفتوح، وثريا تنظر إليه بعينين زائغتين، وكلماتها تتردد في رأسها كطعَناتٍ متكرّرة.
لم يكن هناك من تهرب إليه.
لم يكن هناك مأمن، لا مكان تحفظ فيه حبّها، ولا صدر تلجأ إليه.
كانت وحيدة… تمامًا كنجمةٍ تائهةٍ بين غيوم الليل.
لكن الباب فُتح مجددًا، أختها عادت متوترة:
«ثريا! غطّي رأسكِ بسرعة، والدنا يناديكِ!»
ارتجف قلب ثريا، شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.
الليلة إذًا؟!
« ماذا ستفعلين الان ؟ على الأرجح أنه سيطلب منك لقاء ابلج »
أومأت ثريا ببطء، ودموعها تتساقط على ثوبها دون وعي:
«اذهبي أنتِ، وقولي له إنني قادمة.»
خرجت أختها، ظنّت أنّها تستعدّ للقاء، لكنها لم تكن تعلم أن ثريا كانت تستعدّ لوداع الحياة.
وقفت ثريا أمام صندوق زينتها، فتحت غطاءه بأصابع مرتجفة، وأخرجت عود المغزل الحادّ الذي كانت تخيط به أقمشتها.
نظرت إليه طويلاً، ثم إلى معصمها، ثم إلى السماء التي تراقبها من وراء النافذة.
اقتربت بخطواتٍ بطيئة، وأسندت ظهرها إلى الجدار البارد، والريح تحرّك أطراف شعرها.
كانت النجوم ما تزال هناك، لكنها شعرت أنّها تراها للمرة الأخيرة.
رفعت يدها، تمسك العود، والدموع تغمر وجهها.
«إن كنتُ لا أستطيع أن أعيش مع هتان، فليكن موتي له.»
أغمضت عينيها، ثم ضغطت العود على معصمها بقوة.
شعرت بحرارة الألم أولاً، ثم بالبرودة تسري في جسدها مع تدفق الدم.
أنين خافت خرج من صدرها، وارتجف جسدها للحظة، ثم ابتسمت… ابتسامة واهنة، باهتة، لكنها صادقة.
كانت تبتسم له… لهتان.
«الموت أرحم من حياةٍ بلا حب.»
تلبدت السماء بالسحب، واختفى ضوء النجوم، وكأنّ الكون نفسه أطرق حزنًا عليها.
بدأ بصرها يضعف، ويديها تتثقلان، ثم سقط العود من كفها على الأرض بصوتٍ خافتٍ كآ
خر نبضٍ في صدرها.
وامتدت بقعة الدم ببطءٍ على الأرضية الترابية، بينما هدأ وجه ثريا أخيرًا…
كأنها وجدت السلام الذي سُلب منها حيّة.