حلقه خامسه
الحلقة الخامسة: النهاية التي لم تطلبها
مرّت سنوات.
المدينة تغيّرت، الناس تغيّرت، حتى لون السماء صار باهت أكثر.
وليان ما عادت “بنت الحي” ولا “زوجة فلان”، صارت مجرّد امرأة عايشة بهدوء على أطراف المدينة، تشتغل بخياطة بسيطة، تعيش مع أمها المريضة، وتتكلم نادرًا.
كل يوم عندها نفس الروتين: صلاة، شغل، دواء لأمها، نوم.
ما تضحك، ما تبچي، بس تتنفس بثقل.
بس الهدوء هذا ما كان سلام، كان هدنة مؤقتة.
في يوم من الأيام، وهي جالسة بخياطتها، دخل زبون جديد، صوته مألوف… صوت ناسيه تتمنى ما تتذكره.
رفعت راسها، تجمّدت.
“سجاد.”
شاحب، متعب، شكله مكسور، بس عيونه بعدها نفس العيون.
ابتسم بخجل وقال:
> “عرفتج من أول نظرة.”
ما ردت.
قال:
“وليان… أريد أعتذر.”
الكلمة طلعت من فمه مثل حجر ثقيل.
قالها وكأنه يريد يخفف ذنبه، مو يعترف بخطيئته.
قرب منها، جلس، وصوته ناعم ومريض:
> “انتهيت، كل الناس ضدي، انفضحت، ما ظل أحد يثق فيّ. يمكن الله عاقبني، بس صدگيني، ندمت.”
وقفت ليان ببطء، نظرت له نظرة فيها سنين وجع:
> “ندمت؟ بعد شنو يفيد؟ الندم ما يرجّع وجه بنت طالع على النت. ما يرجّع أم بكت كل ليلة. ما يمحي الكلمة اللي تنقال ورا ظهري كل يوم.”
دموعه نزلت، قال:
“أعرف، بس ساعديني أرجع إنسان.”
سكتت لحظة، ثم قالت:
“ما أقدر. لأن انت مو قتلتني بس، قتلت إحساسي بكل البشر.”
قلبت وجهها عنه، رجعت تخيط بصمت.
بس كانت إيدها ترتجف، مو خوفًا، بل غضبًا مكبوت من سنين.
هو طلع من المكان، وتركها تواجه صدى كلماته.
بهالليلة، صلت ركعتين طويلة، وقالت في سجودها:
> “يا رب، إذا الانتقام يرضيك، عاقبه أكثر. وإذا الغفران أسمى، علّمني شلون أغفر وأنا موجوعة.”
نامت بعد البكاء، وشافت حلم غريب:
تمشي على طريق طويل كله ضباب، وفي آخره باب مفتوح، يطلع منه ضوء قوي.
صوت داخلها قال:
> “ادخلي، انتهى الوقت.”
قامت مفزوعة، تنفسها متقطع، حست قلبها يوجعها.
ضحكت بخفة وقالت لنفسها:
“يمكن هذا الجواب.”
توضّت، صلت الفجر، جلست يمّ أمها، تقرأ القرآن كعادتها.
الآية اللي وقفت عندها كانت:
> “وَالَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ.”
ابتسمت، لأول مرة ابتسامة حقيقية، هادئة.
وضعت رأسها على ركبة أمها، وأمها قالت لها بنعاس:
> “ليش وجهك منوّر اليوم يا بنتي؟”
قالت:
“يمكن لأن الله سامحني أخيرًا.”
بعد دقائق، سكتت أنفاسها بهدوء.
ماتت وهي مبتسمة، والمصحف مفتوح على ركبتها.
الناس لما سمعوا بخبرها، صدموا.
بعضهم بكى، بعضهم قال “الله يرحمها، كانت طيبة”، وبعضهم سكت لأنه عرف قد إيش ظلمها.
حتى سجاد حضر جنازتها، ووقف بعيد يبچي، وقال بصوت خافت:
> “ما غفرت لي، بس يمكن الله يغفر.”
دفنوها عند الغروب، والسماء كانت غائمة، كأنها حزينة.
لكن الغريب؟
الريح اللي مرت بعد الدفن كانت دافئة، ناعمة، كأنها سلام أخير من روح ارتاحت بعد حرب طويلة.
النهاية مو موتها.
النهاية كانت لما تعلمت إن الغفران مو ضعف،
وإن الناس فعلاً حقيرين أحيانًا، بس الله أعظم من حقارتهم كلها.
وإنها ما خسرت نفسها… إلا لتجدها عند الله.
---
انتهت القصة.