حلقه ثالثه
مرّت أسابيع، وليان تصحى كل يوم بنفس الصرخة.
تحلم بنفس المشهد: أصابع تضغط على شاشتها، صورها تطلع، أصوات تضحك.
كانت تصحى تتفقد تلفونها مثل مجنونة، تتأكد إن كلشي محذوف، بس الخوف بداخلها مثل جدار ما ينهدم.
صارت ما تطلع من بيتها.
ما ترد على صديقاتها، حتى الجامعة تركتها فترة.
تحس كل نظرة عليها هي تهمة.
كل ضحكة قريبة منها معناها “هم يعرفون”.
وفي يوم، دخلت الجامعة مجبرة حتى تمتحن.
أول ما دخلت القاعة، شافت ثلاث بنات يتهامسن ويطالعنها بعيون شامتة.
وحدة منهن قالت بصوت منخفض بس كافي حتى تسمع:
> “هاي هي، بنت الصور.”
تجمدت ليان مكانها.
كل العالم دار بيها، وإيدها ترتجف وهي تمسك القلم.
عرفت إن الحكاية انتشرت.
“سجاد” مو بس فضحها لمرّة، رجع نشر كلشي لما رفضت ترجعلـه.
خلص الامتحان وهي ما حست شلون طلعت.
مشيت للحمّام، وقفت قدام المراية، شافت وجهها باهت، شاحب، عيونها حمر من البكاء.
تلمس خدها وهمست لنفسها:
> “حتى وجهي صار شاهد عليّ.”
رجعت للبيت، سكّرت الباب، جلست بأركان غرفتها تتنفس بصعوبة.
حاولت تكتب رسالة انتحار، بس القلم سقط من يدها.
كانت تمسك المصحف بيدها الثانية، وتبچي.
قالت بصوت مكسور:
> “يا رب، إذا تغفر، اغفر، بس خفّف عني نظراتهم.”
أيامها بعدها صارت رمادية.
ماكو طعم للأكل، لا للنوم، لا للحياة.
كانت تبقى على السطح ليلاً، تطالع السماء وتفكر لو الله فعلاً يسمعها.
بس هي كانت تعرف الجواب: يسمع، بس يمهّل حتى يفهم الإنسان معنى الخسارة.
وفي يوم، طرق الباب جارهم الكبير “أبو أحمد”.
رجل معروف بالحي، محترم.
قال لأمها:
> “بصراحة، ابنتج سُمعتها مو زينة بين البنات، نصيحة زوجوها حتى تنستر.”
انكسر قلب الأم، دخلت تبچي بغرفتها.
وليان سمعت كل كلمة، حسّت الدنيا تسحبها للأسفل.
تحسّرت: حتى أمي تشوفني عار؟
وبعد يومين، تقدم إلها رجل خمسيني، غني، قال إنه “يريد الستر”.
نظرت لأمها، شافت دموعها، فوافقت بصمت، مو حبًا بالحياة، بل كرهًا للفضيحة.
الزفاف صار بسيط، بارد، بلا فرح.
الليل الأول، جلست بغرفته الكبيرة، عيونها جامدة، تفكر بس بشي واحد:
هل الستر مع رجل غريب يُسمى حياة؟ أم قبر جديد؟
هو ما اهتم بيها، كان يشوفها كشي يملكه، مو زوجة.
وفي أول أسبوع، اكتشفت إنه يشرب ويغيب بالليل.
تخاف، تبچي، بس ما تقدر تشتكي، لأن أمها قالت:
> “تحمّلي، المهم الناس ما تحچي.”
مرت الأيام، وكل ليلة كان يدخل سكران، يحچي بكلمات جارحة.
مرة صرخ بوجهها:
> “كنتِ طاهرة؟ لا تكذبين! سمعت عنج كلشي.”
تجمدت، إحساس الموت غطاها.
رجعت تفكر بنفس الجملة القديمة:
> “حتى لو تبت، الناس ما تسامح.”
صارت تعيش بلا صوت، بلا مشاعر.
ماكو شي يوجع بعد أكثر من هذا.
صارت تمشي بالبيت كخيال، تطبخ، تغسل، وتبچي لما ينام.
وفي يوم، شافها وهي تصلي.
ضحك وقال:
> “بعدج تصلين؟ ربج يسمع منج بعد؟”
ابتسمت بخفة حزينة وردت:
“إي، هو الوحيد اللي بعد يسمع.”
ومن ذاك اليوم، قررت ليان تسكت تمامًا، بس مو استسلام.
قررت تبدأ انتقام مختلف… انتقام بالصبر، مو بالذنب.
لكن اللي كانت ما تعرفه: الماضي بعده يلاحقها، وجاي شي راح يقلب كل حياتها مرة ثانية.
---