حلقه ثانيه
الحلقة الثانية: الحلال الذي تأخر، والحرام الذي خرب كل شيء
مرت أسابيع وليان بعدها ما تعرف شلون تتنفس طبيعي. كانت تصحى الصبح على وجع يضغط صدرها مثل حجر، وتنام وهي تبچي بصمت حتى ما تسمعها أمها. حذفت كل شي، حسابها، رقمها، صوره، لكن تبقى الذكريات مثل صوت داخلي يهمس: انخدعتِ، انخدعتِ.
كانت تروح الجامعة ووجهها شاحب، كل شي صار ثقيل، حتى الدعاء.
تحاول تصلي، بس كل سجدة تصير ساحة حرب بين الندم والخوف.
كل آية تمر عليها تذكرها بنفسها، حتى الآية:
> “ولا تقربوا الزنا.”
كانت تبچي وتهمس: يا رب، ما قربته بإيدي، بس قلبي داس حدوده.
اللي حولها ما حسّوا بشي، لأن الوجع العميق ما له صوت.
بس بالداخل، ليان تحولت لرماد.
بدأت تخاف من الناس، تخاف من نظراتهم، تخاف من نفسها.
وفي ليلة شتاء، جاها اتصال من رقم غريب.
صوت شاب هادي، محترم، قال:
> "السلام عليكم… أني اسمي حيدر، زميلج القديم بالمجموعة، أتذكرج."
ردت بحذر:
"إي، شنو المطلوب؟"
قال:
"بس حبيت أطمئن عليج، لأنچ اختفيت فجأة. الكل لاحظ."
بالبداية، خافت، ما ردت، لكن لاحقاً رسالته الثانية كانت مختلفة:
> "مو ضروري تجاوبين، بس إذا يوم احتجتِ أحد يسمعچ بدون ما يحكم، أني موجود."
الكلمة الأخيرة "بدون ما يحكم" علقت بعقلها.
مرت أيام وهي تحاول تتجاهله، لكنه ظل موجود، مو بإلحاح، بس بحضور هادي يشبه الدفء.
بعد فترة، بدأ يحچي وياها، مو عن الحب، عن الحياة، عن التوبة، عن الله.
كان مثقف، متدين، يحچيلها عن العفة، وعن معنى الستر، وعن وجع الخذلان.
وهي كانت تصغي، بحذر، لكنها تحس بشي غريب يبعث الأمان.
مرّت شهور، وليان بدت ترجع تصلي، وتضحك قليلاً.
لكن الشيطان ما يحب يشوف إنسان يتوب بسهولة.
كل شي بدا طبيعي… إلى أن قال حيدر يوم:
> "ليان، أني معجب بيج، بس مو بحرام. أريد أتقدم رسمياً بعد التخرج."
اندهشت، وخافت، وفرحت، وبكت بنفس اللحظة.
كانت تتمنى الحلال، بس قلبها ما عاد يصدق أحد.
قالت له:
> "حتى لو نيتك طيبة، أني مو نظيفة بعد، ما أستاهل أحد."
ردّ بثقة:
"الله يطهّر، مو الناس. أني ما أريد ملاك، أريد إنسانة تعلمت من وجعها."
بهاللحظة حسّت بشي لأول مرة…
مو حب، بل أمل صغير مثل شمعة.
لكن الدنيا ما تعطي الأمل إلا لتسحبه.
بعد أسبوع، صارت الصدمة:
وصلتها رسالة من حساب مجهول فيها صورها القديمة، وصوتها القديم، والمحادثات مع "سجاد".
مع جملة وحدة:
> "أكملي تمثيلج على حيدر، بس لا تنسين الماضي."
انهارت.
ركضت للمسجد، جلست تبچي وتصرخ بصمت:
> "يا رب، ما ظللي كرامة، لا أقدر أعيش ولا أموت!"
حذفت كل شي، وكتبت لحيدر:
> "أنـي آسفة، لا تتواصل وياي بعد، خاف الله بنفسك، وأبعد عني."
سألها بخوف:
"صار شي؟"
قالت:
"أني حرام، حرام من الأساس."
وتركته.
رجعت غرفتها، جلست على الأرض، ضمت ركبها لصدرها وقالت بصوت مبحوح:
> "كل ما أفتح باب للحلال، يدخل منه الحرام."
من ذاك اليوم، قررت ليان تعيش لوحدها تماماً.
ما تثق بأحد، لا رجال، لا صديقات، لا بشر.
حتى الله تحچي وياه بحذر، كأنها تخاف تخدعه هي بعد.
لكن القدر ما خلص بعد، واللي جاي… كان أسوأ.
---