الفصل 6
6
- محتاجالك أوي… وخايفه أوي، بالله عليك اوعى تسيبني إنت كمان، أرجوك متسبنيش.
- وإنتِ لسه فاكره تحكيلي موضوع زي ده يا أماني؟!
- مكنتش عايزه أشغلك بحاجه شوفت إنها ملهاش لازمة.
قلتها بصوت مهزوز، فسكت لثانيه، وهو بيبص في عيني، وقال وهو ضاغط على أسنانه:
- دا أكيد أمين، والله ما هسكتله.
في اللحظة دي رن موبايل أسامة، فرد بسرعة وقال:
- أيوه يا محمود… عايز تقابلني؟ أيوه أماني معايا! كويسه الحمد لله. تمام، احنا راجعين البيت أهوه، تعالى على هناك.
وبصلي وقال:
- يلا عشان محمود جايلي البيت.
ومسكني من إيدي وكأني ههرب، وطلب أوبر، وأنا واقفه جنبه، قلقانه وخايفه من كل حاجه.
بعد ما وصلنا شقتنا بفتره بسيطة، جه «محمود»، قعد مع أسامة ووقفت ورا الباب أسمع حوارهم.
اتكلموا كتير وكان «أسامة» بيشتكي لمحمود من اللي أمي بتعمله، و«محمود» بيواسيه، وانتبهت كل حواسي لما سأل محمود:
- أختك حكيتلك على موضوع الرسايل اللي بتجيلها ولا لسه؟
- أيوه، قالتلي من شويه، هو إنت كمان كنت عارف ولا ايه؟!
- عرفت من خالك، وافتكرتك عارف… فاكر لما طلبت منك تقابلني في كافيه ضروري، اليوم ده كنت هقولك… بدون ما أتكلم كتير وأحكي كلام ملعوس لزمة، المفيد إن أنا عرفت مين اللي بعتلها الورد النهارده.
- مين؟
- ابن خالك، يوسف.
استغربت جدًا إن «يوسف» هو اللي بعت الورد، لكن مقدرتش أصدق محمود، وكنت شاكه فيه، ليه ميكنش هو اللي بيبعتلي، ويحاول ينفي التُهـ ـمه عنه!
انتبهت لما قال أسامة:
- يوسف! وعرفت ازاي؟
وضح محمود:
- روحت المحل اللي باعت الورد وسألت، وأخدت الرقم اللي طلب الورد وطلع رقم يوسف.
- يوسف! دا أنا كنت فاكر إنه أمين صاحبي اللي بيعمل كده! بس متوقعتش يوسف ابن خالي يعمل كده.
وسكت أسامه ثوان، وكمل:
- بس ممكن برده لأن يوسف عايز اتقدم لأماني.
رد محمود بسرعه وصوته بيتهز:
- اتقدملها؟ و… وهي وافقت؟
- لأ طبعًا، مع إن ماما موافقه، لكن أماني لأ، على العموم أنا هاخد أختي وأرجع بلدنا وهشوفلي شغل هناك، مش هستنى هنا أكتر من كده.
- اصبر يا أسامة لأن ده قرار غلط جدًا، وكلية أماني هتعمل فيها إيه ان شاء الله؟
سكت أسامه لفترة وقال:
- مش عارف… مش عارف والله يا رويس! متعرفليش شغل تاني يكون هنا في القاهرة؟
- بص يا أسامه أنا رأيي متسيبش القاهره ولا الشركه، اصبر شويه، وبالنسبه ليوسف ده هنشوفله حل.
- وهنعمل ايه بقا في يوسف؟
- أنا عندي حل بس مش عارف هينفع ولا ايه! إنك تجوز أختك لحد تاني.
- ازاي يعني، أمشي في الشارع أدور على عريس يا رويس إنت كمان؟
- وتدور ليه، ما أنا قدامك أهوه.
ضحك أسامة وهو بيقول:
- دا عشان نتفصل من الشركه احنا الأربعة، أنا وإنت وأماني وأبوك.
- الأرزاق بيد الله، وبعدين بابا أصلًا عنده مكتبه، مش شغال عند حد، وأنا كمان ممكن أقدم على شغل في شركه تانيه، يعني مش واقفين على خالك، دا هو الخسران.
سكتوا، أو صوتهم مبقاش واصلي، لحد ما صوت أسامة ظهر تاني:
- هو إنت بتتكلم بجد؟ عايز تتجوز أماني؟
- ماما يا سيدي معجبه بيها، وبيك، وبتدورلك على عروسه إنت كمان، بتقول عليك عريس لُقطه وخسارة وعايزه تجوزك بنت خالتي.
- ومجوزتكش إنت بنت خالتك ليه؟! إوعى تكون بنت خالك مش حلوه وعاوزين تدبسوني فيها؟
- مين دي اللي مش حلوه! دي زي القمر، بس هي توافق عليك، والله لولا إن خالتي مرضعاني، ماما مكنتش هتطلعني بره.
سمعت صوت ضحكهم، وبعدين سكتوا شوية، وقال أسامة بصوت مخنوق:
- أنا مش عارف أعمل ايه، ومضغوط أوي يا محمود.
- متقلقش من حاجه، أنا معاك، وكله هيتحل بأمر الله، مش هقولك ثق فيا لكن ثق في الله.
وبدرا يتهامسوا مره تانيه، ومسمعتش كلامهم، إلا لما قال أسامة:
- أنا هقوم أجيبلك حاجه تشربها، مش معقول أول مره تجيلي البيت ومتشربش حاجه.
- استنى بس، اقعد، هو أنا غريب.
ولما حسيت بخطوات أسامه بتقرب، جريت على أوضتي. معرفتش أخرج تاني وبدأت ألف رايحه جايه، وأنا بقرض أظافري، ومسمعتش أي حاجه بعد كده إلا صوت «محمود» وهو خارج من البيت.
ومرت الأيام بدون أي جديد.
في الشركة كنت بختلس النظر ناحية محمود لكنه مكنش بيبص ناحيتي. استغربت ليه أسامه مكلمنيش ولا قالي عنه ولا عن يوسف! حتى محمود بقا يتجنب يبص ناحيتي ولا يتعامل معايا.
وبدأت الدراسة، ورجعت أشوف زينه وآلاء اللي بقوا أصحاب مره تانيه لكني… اتشغلت مع المذاكرة، وعاهدت نفسي أطلع الأولى السنه دي، وأكون أد ثقة بابا فيا.
وأمي اتجوزت «راضي» رجل أعمال، بس مش عارفه إيه هي أعماله بالظبط.
كانت بتكلمنا في التلفون، وكنت بروح أزورها في الڤيلا بتاعتها لكن أسامه مكنش بيروح معايا.
وأخر مرة قالت لي:
" بلغي أخوكِ إني معملتش حاجه غلط، أنا عيشت تحت رجل والدك لحد ما تـ ـوفى، ودلوقتي بعمل كل اللي أقدر عليه عشان متتبهدلوش."
وطلبت مني مرفضش ابن خالي ولا أوافق، أعلقه يعني! لكن مسمعتش كلامها ورفضته، واستغربت رد فعل خالي لما قال بهدوء:
- براحتك، أنا مش ممكن أغصـ..ـبك على حاجه.
- بجد يا خالو؟
- أيوه طبعًا يا حبيبتي، اللي يريحك اعمليه، أنا كنت بقول بنت أختي أولى بدل ما نشوف عروسه تانيه، لكن براحتك.
في اللحظة دي حسيت إنه إنسان طيب، وكنت هقوله إن «يوسف» ابنه هو اللي بيعاكسني، لكن السكرتيره خبطت على الباب، وقالت:
- راضي بيه بره، وعايز يقابل حضرتك.
- دخليه طبعًا.
قمت وقفت عشان أمشي، في نفس اللحظة دخل زوج أمي، سلم عليا، وطبطب على كتفي وهو بيقول:
- إيه يا أمونه، بقالنا كتير مشوفناكيش؟
قلت بارتباك:
- معلش أصل… الدراسه بدأت ومشغوله.
- لا خلينا نبقا نشوفك يا جميل، ياريت والله تيجي تقعدي معانا وأنا هجيبلك عربيه بالسواق بتاعها يوصلك الكلية ويرجعك.
- معلش أنا مرتاحه كده.
قلتها بتوتر واستأذنت وخرجت.
ولما رجعت الشقة…
لقيت رسالة من أكونت غير معروف مرة تانية:
- وحشتيني، لازم نتقابل، فيه كلام مهم محتاج أقولهولك، من معجب بجـ ـنون.
- أنا عرفت إنت مين، والمره دي هاجي أقابلك.
- أتمنى عشان تعرفي كل حاجه، وتعرفي أسامه أخوكِ مخبي عنك إيه.
كتبلي العنوان، واتفقنا نتقابل بكره، وكنت مقرره مقولش لأسامة ولا أجيب سيرة لحد.
لكن كنت مقلقه فاتصلت ببسمه وحكيتلها، ووصيتها متقولش لخالي ولا لأخويا إلا لو حصلت حاجه، يعني مرجعتش البيت مثلًا!
ومن جوايا كنت نفسي تقولهم ويمنعوني أروح.
تاني يوم حضرت محاضراتي ومستوعبتش أي حاجه، كنت بتخيل مين الشخص ده، تخيلت إني أتفاجئ بمحمود، وتخيلته أمين، وتخيلته هشام، وتخيلته يوسف.
وأنا خارجه من الكلية، مريت على المكتبه أشوف «هشام» موجود ولا لأ، فألقى السلام عليا لأول مره، وقرب مني، ووقف قدامي، وكأنه عاوز يقول حاجه، لكنه مقالش إلا:
- خلي بالك من نفسك يا بشمهندسة.
حسيت بالخوف، انشغل هو في مكتبته، ووقفت أبص عليه شويه، وبعدين قربت منه، وسألته:
- ليه بتقول كده؟!
- عشان الشلة اللي كنتِ ماشيه معاها، ناس مش كويسه؟
بلعت ريقي وقلت:
- أنا مبقتش أمشي مع حد، ومعلش ممكن توضح كلامك؟
سلم الشغل اللي في إيده لواحده واقفه معاه في المكتبه، وشاورلي نقف في جنب.
قال:
- بصي يا بشمهندسه أنا مش عايز أظـ ـلم حد، ولا هقول اسم حد بس اللي وصلني إن هما بيقولوا عليكِ كلام مش كويس، واللي أنا اكتشفته إني طلعت فاهمك غلط، فعشان كده بقولك خدي بالك من نفسك.
- أنا ما زلت مش فاهمه، كلام وحش ازاي يعني.
مسح ذقنه بارتباك وقال:
- إنك بنت مش تمام عشان كده هما بعدوا عنك.
- زينه اللي قالتلك الكلام ده؟
- لا، الكلام وصلني وخلاص، بس أنا لما سألت ولاد من الدفعه عنك كلهم أكدولي إنك في قمة الأدب والأخلاق، فخلي بالك من نفسك.
وسابني، بتخبط في أفكار ورجع شغله، ومشيت أنا للقاء اللي هينهي اللغز اللي مغطي حياتي وشاغلني، وأنا بسأل نفسي، يا ترى إيه اللي بيتقال عني؟! ويعني إيه بنت مش تمام؟!
مجرد ما وصلت الكافية، بحثت نظراتي عن يوسف، كنت متخيله إني هشوفه هو!
لكن على ترابيزه بعيده شاورتلي آلاء إني أقرب منها.
وبخطوات سريعة، وغضب متملك مني، قربت منها، سألتها من غير سلام:
- إنتِ اللي كنتِ بتبعتي، صح؟
- اقعدي وهفهمك كل حاجه.
قالتها ببرود، فقلت بنرڤزة:
- إنتِ إيه يا بنتي! شـ ـيطان؟
- أنا باخد حقي مش أكتر، واقعدي وهقولك أخوكِ عمل فيا إيه.
ضغطت على أسناني واضطريت أعصر على نفسي ليمونه وأقعد أسمعها، نادت آلاء على الجرسون يجيب إزازة ماية، فجاب اتنين وحط واحده قدامي وواحده قدامها… شربت آلاء وقالت:
- بصي يا أماني، أنا وأسامه كنا مرتبطين من أولى ثانوي، وفجأة كده بعد عني بعد ما عشمني.
وطلعت ورقه حطيتها قدامي.
لما قريتها، اتصدمت إنها زواج عرفي بين أسامه وآلاء، قلب رجف من الصدمة، وهزيت راسي وأنا بقول:
- مستحيل أسامه يعمل كده!
- عمل يا أماني، ولما أمين واجهه، أنكر وغـ ـدر بيا، أخوكِ غـ ـدر بيا.
بلعت ريقي وحلقي كان جف من الصدمة، فشربت إزازة الماية اللي قدامي كلها، وبعدين بصيت لألاء وقلت:
- وإنتِ بقا بتـ ـنتقمي من أخويا فيا؟!
- بنتقم من أخوكِ ومنك! عشان كله معجب بيك، أحمد وهشام وشباب الدفعه كلهم، حتى أيام الثانوي! إنتِ البنت المحترمه، وأنا البنت السهلة!
- إنتِ اللي كنتِ بتبعتِ الورد؟!
سألتها، لأني كنت مستغربة، وقبل ما تجاوب ظهر صوت زينه:
- إنتِ مغـ ـفله أوي يا أماني، جايه لوحدك ليه؟ دا أنا قلت مستحيل تيجي!
وقعدت الاتنين قدامي يضحكوا، فهجمت عليا الأفكار، يعني هما اللي كانوا بيبعتوا الورد مش يوسف؟! وفجأه حسيت إن الدنيا بتلف بيا، وعيني قفلت غـ ـصب عني، وانفصلت عن الواقع.
يتبع
🟩🟩🟩🟩🟩💞🟩🟩🟩🟩🟩🟩🟩🟩💞🟩🟩🟩🟩🟩🟩🟩🟩🟩