الفصل 1: عالمين متناثرين
في عمق حارة "الورد" المتواضعة، حيث كانت رائحة التوابل الهندية والخبز الطازج يتخلل الهواء الرطب و تداعب الحواس، كانت "نور" تعيش داخل مملكتها الصغيرة: موسمها الفني. لم يكن المرسم أكثر من غرفة صغيرة على سطح منزل قديم، لكن بالنسبة لنور (25 عاماً)، كان هذا المكان هو العالم بأسره. كان يتنفس فناً وشغفاً. رائحة دهانات الأكريليك الممزوجة بعبق القهوة الرخيصة التي لا تفارق مكتبها الصغير كانت هي العطر المفضل لديها، أغلى من أي زجاجة عطر فرنسي فاخر قد تخطر على البال.
كانت نور فنانة بالفطرة، عيناها تحملان بريقاً خاصاً، مزيجاً من التحدي والأمل. كانت ترسم العالم كما تتخيله، مكاناً تتساوى فيه القلوب وتُقدر فيه المواهب بعيداً عن قيود المال والطبقات الاجتماعية. كانت تؤمن بأن الفن هو اللغة الوحيدة الصادقة، السلاح الذي يمكنها به تغيير العالم أو على الأقل رسم ابتسامة على وجه والدها المنهك الذي أفنى حياته في العمل الشاق.
في تلك الليلة بالذات، كانت تعمل على لوحة ضخمة لم يكتمل بعد. كانت تصور شجرة زيتون عتيقة، جذورها عميقة في الأرض المجدبة، وأغصانها تحاول جاهدة لمس السماء الملبدة بالغيوم. كانت الشجرة ترمز لنور إلى الصمود والقوة التي لا يملكها المال، إلى الأصالة التي لا تشترى. كانت ترسم بقلبها قبل يديها، كل ضربة فرشاة كانت تحمل حلماً مؤجل
على بعد أميال قليلة، خلف بوابات حديدية مزخرفة بارتفاع ثلاثة أمتار، يلفها حراس بوجوه عابسة، كان "ريان الجابري" يقف على شرفة قصره الذي يطل على حديقة غناء وحمام سباحة لامع تحت أضواء النيون الباردة التي لم تكن تنبعث منها أي دفء. كان ريان (28 عاماً) يرتدي حلة رسمية كحلية داكنة، مصممة على يد أشهر مصممي الأزياء في ميلانو، وجهه الخالي من أي تعابير كان يخفي وراءه عاصفة من الملل والوحدة.
ريان كان الوريث الوحيد لإمبراطورية "آل الجابري" المالية الضخمة. كان يملك العالم بين يديه: طائرات خاصة، سيارات فارهة، قصور في عواصم العالم، وحسابات مصرفية لا يمكن عد أرقامها. لكنه شعر أنه لا يملك شيئاً على الإطلاق. كان محبوساً داخل قفص من الذهب، تحيط به القوانين الصارمة، والتوقعات العائلية التي لا تنتهي، ووالده، "عادل الجابري"، الرجل القاسي الذي لا يعرف الرحمة، والذي علم ابنه أن الحب ضعف وأن المشاعر ترف لا مكان له في عالم التجارة.
كان ريان يستمع إلى صوت والده الجهوري القادم من غرفة المعيشة الفخمة وهو يتحدث في الهاتف عن صفقة بمليارات الدولارات، وكيف سيسحق المنافسين. كانت حياة ريان عبارة عن أرقام، اجتماعات مجلس إدارة مملة، صفقات استحواذ، بلا شغف أو لون أو موسيقى. كان يشعر أنه مجرد بيدق في لعبة شطرنج كبيرة يتحكم فيها والده.
في صباح اليوم التالي، استيقظت نور باكراً. كان لديها موعد مهم لحضور معرض فني صغير تشارك فيه بلوحتها "شجرة الزيتون". كانت تأمل أن تلفت اللوحة انتباه أحد النقاد أو أصحاب المعارض الكبرى. ارتدت فستاناً بسيطاً لكنه أنيق، ووضعت لمسة خفيفة من أحمر الشفاه. حملت لوحتها الضخمة بصعوبة، وخرجت من الحارة بعد أن ودعت والدها بنظرة مليئة بالأمل.
في نفس الوقت، كان ريان يستقل سيارته الفارهة (من طراز مايباخ سوداء لامعة) بنفسه، وهو أمر نادر الحدوث. كان متجهاً إلى اجتماع مجلس الإدارة، لكن عقله كان شاردًا، يشعر بالاختناق من الروتين. فجأة، وعلى ناصية أحد الشوارع المزدحمة في وسط المدينة، انحرفت سيارة الأجرة القديمة التي كانت تستقلها نور قليلاً بشكل مفاجئ لتفادي دراجة نارية عابرة، واحتكت بقوة بالصدام الأمامي لسيارة ريان الثمينة.
توقف السير للحظات. نزل ريان ببرود وقسوة مصطنعين. كانت نور قد نزلت بالفعل باندفاع وقلق بالغين، قلبها يخفق خوفاً على لوحتها قبل كل شيء.
"ألا ترين الطريق؟" قال ريان بنبرة هادئة لكنها متعجرفة، ينظر إلى سيارته المتضررة باهتمام أكبر من اهتمامه الفتاة الواقفة أمامه
"أنت من كنت شارد الذهن!" ردت نور بغضب، متناسية برودة أعصابها المعتادة أمام هالة الثراء التي يفرضها ريان. "هل يمكنك أن تنظر إلى هاتفك بدلاً من النظر إلي هكذا؟ يبدو أن سائقك لم يعلمك كيف تقود في الشوارع العادية!"
تجمد ريان للحظة. لأول مرة منذ سنوات، يسمع صوتاً يتحدث إليه بهذه الجرأة وعدم الخوف من نفوذه. كانت عيناها اللامعتان بالغضب والشغف بالحياة تتناقض تماماً مع العيون الباهتة والمجاملة التي اعتاد رؤيتها في دائرته الاجتماعية. شعر بشيء غريب يتحرك داخلهاا. شيء لم يخبره به أي رقم في حساباته المصرفية.
"سأدفع ثمن الأضرار، وسأطلب لكِ سيارة أجرة أخرى لتتأخري عن موعدكِ أكثر." قال ريان بابتسامة باردة ومتهكمة، وهو يخرج هاتفه المحمول.
نور، التي لاحظت نظراته المتفحصة والمتعالية في آن واحد، رفعت ذقنها بعناد وكبرياء. "شكراً، لكنني لست بحاجة لصدقاتك. أنا ذاهبة إلى معرض فني، وليس لدي وقت لأضيعه مع شخص يبدو أن حياته كلها ميزانيات وأرقام وحجارة باردة."
قبل أن يفتح ريان فمه للرد، لوحت نور لسيارة أجرة أخرى توقفت بسرعة. التقطت حافظة لوحتها الضخمة بصعوبة ودفعت بها داخل السيارة، ثم استقلتها، تاركة ريان واقفاً في منتصف الشارع، ينظر إلى لوحة سيارته المنحنية قليلاً، وشيء من الفضول يغزو قلبه للمرة الأولى