الفصل الرابع: كفة الميزان تحيد
غلبني النوم بعد طول تفكير، اظن ان عقلي وجد وقتا للراحة في تلك الغفوة، نزلت الدرجات للفطور، فطور لن يكون له في لساني لذة، اجتمعت العائلة حول الطاولة كما العادة، كان للحكايات مقعد أيضا، لكنها لن تاكل معنا اليوم
"إذن هل تتمرنان جيدا يا راكس و جولي؟"
"نعم أنا قد بدأت أعتاد التدريب"
"ماذا عنك يا راكس؟"
لم أجب، و لن أجيب، لا أريد الحديث عن شيء، لا يريد عقلي التفكير في شيء، لا أن اكون العقبة في عائلتي، أو أن أكون الحبة السيئة في عائلتي، لا أريد أن اكون مختلفا و متخلفا عنهم
نهضت من الطاولة، فتحت الباب، خرجت حاملا كتابي، سرت ركضا إلى الشجرة، لا أريد سماع شيء الآن، اريد تصفية ذهني، اريد أن افرغ ما في قلبي و لا أريد البكاء، اريد أن ينشرح صدري و لا أريد أن انام، اريد أن تغادرني الفكرة و لا أريد أن أموت
على مائدة الطعام بعد خروجي، انتشرت الكلمات، قامت الضحكات مغادرة المكان، لم تحمل ملعقة الحكايات حتى، صعقت أختي لما سمعت و هي محقة، لقد كانت تريد ان تكون قدوة، و كيف تكون قدوة لشخص صفري، جرت طول المسافة إلي، كنت مستلقيا واضعا الكتاب على صدري، التفت فوجدتها تلتقط انفاسها بشدة، اقتربت مني و عانقتني، تفاجأت، كان العناق كأنه عناق فقدان، كانه عناق حزن، كأنه عناق تشجيع، صرخت
"أستسلمت بعد سماع هذا؟، أتستسلم و أنت لم تبدأ بعد حتى؟، لم أظن يوما أن أخي الأصغر سيكون فاشلا بسبب كلام لم تجرب حتى صدقه من عدمه، أنا منافستك يا راكس، و لن أستسلم حتى لو استسلمت أنت، لكني لا أريد من طريقي أن يكون سهلا لذا_"
رفعت يديها عني، كنت متفاجئ، كنت فارغا تماما، لم أكن أفكر ألا في تلك الكلمات، كلمات عبرت لسانها الى قلبي، فأشعلت النار التي هدأ شررها و أعادتها إلى الحياة
نظرت إلى عينيها، لم تكونا عيني أختي التي أعرفهما، بل كانتا عيني جولي التي تريد أن يكون أخاها، التي تريد رفيقا لها في دربها، التي لن تيأس مني لمجرد أني اردت ذلك، أو سمعت ذلك
"شكرا لكي، لكن هل يمكنني الجلوس وحدي قليلا؟"
"لا لن ادعك_"
"لا تقلقي علي فأنا بخير، فقط أريد التركيز في بعض الأمور، لذا اريد ان أجالس الهدوء مدة حتى يصحبني الهدوء معه فقط"
نظرت إلى وجهي، علمت ان شرارة الأمل قد اشتعلت مجددا، و رجت ألا تنطفئ
"إذن ساسبقك إلى التدريب فعدني أن تكون معي اليوم"
انطلقت دون سماع اجابتي كأنها علمت الاجابة سلفا، فتحت الكتاب، برزت لي الجملة: 'اختر بعناية'، تمعنتها و تمعنت نفسي، كنت اريد ان اجعل من كل العناصر ملكي، فاتحكم بها جميعا، و ها أنا لا احاول حتى التحكم في واحدة، حتى أبواي لم يفقدا الأمل وها أنا جالس استغيث القدر
عدت الى المنزل، كانت اختي تتدرب و أبي، و امي تراقب و تشجع اختي، منعت اختي ابي أن يناديني، صعدت الدرجات الى غرفتي حدثت نفسي: "اسأبقى هكذا حتى تاخذني المنية ام أني سافيق الى الواقع و أحاول؟"، دق باب غرفتي، كانت أمي، جلست على كرسي مكتبي
"أظن أنك قد سمعتنا تلك الليلة، و لا أظن أنك سعيد بما سمعت، أعلم أنك تمر بوقت عصيب خاصة بعد ما سمعت، لكن لا أعتقد أن راكس الذي اعرفه كان ليفعل هذا، بل كان ليفيق و يحمل سيفه الخشبي و ينزل إلى أبيه و اخته ليتدرب، و بعد انتهائه يذهب ليجرب تعاليم الكتاب الذي سمحت له بقرائته، أليست هذه شخصيتك يا راكس، لم تستسلم رغم اجتهادك دون نتائج، و لا أظنك ستستسلم"
اختلطت علي المشاعر، الغضب و الحزن و الخجل، خجل من نفسي، كل من عرفوني قد رأوني و وضعوني في اطار من ذهب، فنزعته و رميته، كانو قد زرعوني و سقوني حتى صرت شجرة عظيمة، فقطعتها و احرقتها، كانو قد شحذوني سيفا يشق الجبال، فكسرته و افسدته، ليس الخطأ في القدر الذي سرق مني القدرة، بل الخطأ في انا لم اجتهد لأملكها
غلبتني الدموع، ليست دموع حزن بل دموع امل، ليست دموع غضب بل دموع سعادة، ليست دموع نهاية بل دموع بداية، بداية مزقت الصفحات الفاسدة و زينت الجديدة، محت الخطاء و صححتها، احتضنتني أمي، كانت هادئة على غير العادة، مسحت الدموع و نهظت، حملت سيفي الذي أسند الحائط
"هاي جولي، أبي، ايوجد مكان لمتدرب جديد"
"يجب أن يكون لديك مبرر على غيابك ايها المتدرب الصغير"
تدربت اقوى من العادة، فرغت طاقتي كلها في ذلك التدريب، احسست بالسعادة، سعادة العودة، سعادة العودة للطريق الصحيح، انهينا التدريب، اجتمعنا على مائدة الطعام مجددا، لكن هذه المرة كانت الضحكات مدعوة، و الحكايات مدعوة، و الابتسامات مدعوة، لتعوض عن الصباح، اكلت الكثير، حملت الكتاب، و تركت ساقي الى وجهتي، وجهتي التي حفضتها عن ظهر قلب، وجهتي التي تمسح الهم مسحا، و الحزن و الشقاء، فتحت مقدمة الكتاب، اضن انني كنت وقحا لتجاوزي لها، كتاب عظيم تتجاوز بعض صفحاته يعتبر وقاحة
قسم السحر في العالم، و قسم بين الناس، و قسم في الفرد، قسم ليعدل، قسم ليوضح داخل الفرد، يتدرج الساحر في المراتب من المرتية المبتدئة ف المتوسطة فالمحترفة، فمرتبة الزعامة فالقيادة فالملكية، فيكون قد وصل لأعلى مراتب السحر فيقوى على كل المراتب مهما اجتمعت
سحرتني هذه الجمل، صارت عيناي تلمع، اردت ان اكون ساحرا لكن لم ادر كيف او أين، توضح هدفي اكثر، ان اصير ساحرا ملكيا، فاكون اقوى حتى من ابي و امي
" بالمناسبة، لم أسأل والدي عن مرتبتهما السحرية؟، ساغادر و اسألهما"
كنت اجري كما المجنون، كعالم عكف على تجاربه شهورا فلما أنهاها جرى يريها للعالم، فكذلك أنا، وصلت المنزل و دخلت
"قلت لك انه سيسخر الماء لا النار"
"و انا قلت لكس انه سيسخر النار، انها أقوى"
"اذا انت تتحداني يا هيت؟"
"و لم لا يا جين، لقد مر وقت طويل"
"اذا سافوز و ستعترف ان سحر النار اقوى"
جررنا خارجا من شدة المنافسة، وضعت اختى حكما عليهما، كانا جادين حقا، لكن تبادر سؤال الى ذهني: 'أأمي حقا بنفس قوة أبي حتى تتحداه في نزال؟' لكن هذا النزال سيكون الميزان و القول الفاصل في سؤالي، تراجع كلاهما قليلا، سألت اختي
"احقا لن نمنعهما من هذا، قد يأذى احدهما"
"لا بل شاهد فقط، فمثل هذه النزالات نحدث معهما غالبا، حسنا عندما اعطيكما الاشارة ستبدأن، حسنا الآن!"
بدأ النزال سريعا كما انها، لم استطع الا ان ارا ان كليهما لم يكونا في مكانهما لحظة الاشارة، كانهما اختفيا، كنت خائفا على امي صراحة، تصاعدت سحابة دخان كبيرة، وقفنا ننتظر، حتى
"اذن ستستسلمين ام ماذا؟"
"لا احد منا يقوى على الوقوف الآن لذا؟"
"اظن أنه تعادل، لم اظن انكي لا زلت قوية كما كنتي"
"و انت كذلك لا زلت كما كنت، اظن انني سادعه سقرر هو فهذا مصيره هو و ليس نحن"
"قرار صائب"
خرجا من السحابة مليأن بالكدمات و الإصابات، عالجت امي ابي و نفسها بسحرها، كنت انتظر انتهاءهما حتى اسألهما
"أمي، أبي، ايمكنني سؤالكما شيء؟"
"نعم، ان كنت ستسأل عن سحر النار ساجيبك بصد_"
جاءته ضربة على رأسه من امي بلمح البصر
"اذن راكس، مالذي ستسأل عنه؟"
"كنت اريد سؤالكما عن رتبتكما السحرية"
نظرا الى بعضهما، ثم الى جولي، ثم
"الم تكن تعرف رتبتنا؟"
"نعم لم، صراحة لم اظن انكما قويان حقا (اود تجنب قول انني لم اقرأ صفحة المقدمة من الكتاب ) لذا"
"حقا، اظن اننا لم نذكر لك هذا سابقا لذا"
"لذا ماذا؟"
"انا ساحرة مائية ماكية، اما ابوك_"
"ساحر نار ملكي، و سياف ملكي لفنون السايفة الاربع و_"
لقد نظر الى امي وجد عينيها تشتعلان نار -رغم ان سحرها مائي-
"انا...ساحر ناري ملكي"
صدمت لما سمعت، كنت بين ساحربن ملكيين و كنت اضيع الوقت في اللعب بالكتب
"ابي اريد ان أتدرب معك الآن"
"لكنني انتهيت توا من_"
"ارجوك، دعنا تندرب و لو قليلا"
"حسنا ايها المتدرب، لنذهب"
امضيت اسبوعا كاملا في التدريب، نفس المرنامج يعاد و يعاد، صقلت مهارات السيافة لدي، لكن كان للسحر كلام آخر، لم افقد الامل، لفن تمر تلك الكلمات هباءا، تلك الكلمات التي غرست في قلبي، الآن اصبحت شجرة، كنت ازور الشجرة يوميا، تلك الشجرة التي اثمرت في قلبي، تلك الشجرة التي قاسمتني الحكايات، تلك الشجرة التي شهدت على اجتهادي في تدريبي السحري
كان يوما كالعادة، استيقظ على اشعة الشمس، اتناول الفطور مع عائلتي، اتدرب رفقت أبي و أختي، كما العادة، زرت الشجرة، جلست و معي الكتاب الذي صار لسيق يدي، بدأت اقرأ، كان الجو هادئا على غير العادة، هدوء صعب، قطع هذا الهدوء فتية، كانو خمسة، اقتربو مني شيء فشيء
"هاي انت، مالذي تفعله هنا؟"
"عادة ما اجلس هنا، لكن ان ازعجتكم يمكنن_"
"ماذا!، لن تذهب الى اي مكان ايها الشيطان"
شيطان؟، لم؟ لم هذه الكلمة
"لكنني لست شيطانا"
"بل انت كذلك، لنت تشبهه حقا، ذلك الشعر، تلك العينين"
"اظن انكم مخطؤون في هذا، لكنني لا أريد الشجار معكم لذا"
"اتهزأ بنا ام ماذا؟، و تكذبنا ايضا هاه"
اقتربوا اكثر، تشبثت بالشجاعة، تشبثت بالعزم
"هاي انتم، مالذي تريدونه من اخي"
"انت لا دخل لكي في هذا، ام انك تظنين انكي قادرة علينا نحن الخمسة؟"
"لا ولكني لن تدعكم تلمسون شعرة منه"
صمت الجميع مدة
"هاي أيها الشيطان، أتدع أختك تدافع عنك أم ماذا؟"
"بل أنتم هم الشياطين"
اقترب المتكلم من اختي ثم
"ابتعدي ايتها الشقية"
"هاي لم ضربتها"
"نحن الشياطين اذا، اظن انك لن تحتاج لهذا الكتاب بعد الآن، يا عديم السحر"
عصفت تلك الكلمة داخلي، ليست كباقي الكلمات، جهلت شعلة الامل تنطفئ، جعلت مني كالفراغ، لقد مزق كتاب امي السحري امامي، و لم افعل شيء، لقد ضربت اختي امامي، و لم افعل شيء، اسابقى دائما هكذا، ذلك الانسان الفاشل الذي يحتمي بظهر عائلته، فيأخذون عنه الاذى، و يصنعون تلك الابتسامات ليمنعوه من الثوران، و يحيطون بنار امله_
"أردتم الشيطان، سأريكم من هو الشيطان"
"راكس مالذي_"
"هذان الجناحان، هذه الهيئة!"
"سأريكم سحر شخص عديم السحر"