الفصل الرابع.. بين الحب والغضب ☘️💫
وسمر لأول مرة بجد حسّت إنها مش بتجامل، وقالت بهدوء:
"إن شاء الله، من هنا ورايح هتعاملها كأختي."
ليان نزلت من السلم بهدوء، لابسة طرحة بسيطة وفستان بيت واسع، وشها باين عليه شحوب التعب بس ابتسامتها موجودة. دخلت المطبخ لقت أم يوسف وسمر مشغولين يجهزوا الفطار للعمال.
ابتسمت وقالت:
"صباح الخير... هو أنا نزلت متأخرة أوي؟"
أم يوسف التفتت لها بسرعة وقالت:
"يا حبيبتي ليه تعبتي نفسك ونزلتي؟ ما أنا وسمر خلصنا أغلب الحاجة، روحي ارتاحي فوق."
سمر هي كمان بصت لها وقالت بابتسامة صغيرة:
"صح، الحمل مش سهل، ريّحي نفسك يا ليان."
لكن ليان دخلت أكتر جوه المطبخ وأصرت:
"لا، أنا زهقت من القعدة فوق، وكمان عايزة أحس إني بساعد. مش هعمل حاجة تقيلة، بس على الأقل أرتب الصحون أو أجهز الشاي."
أم يوسف ضحكت وقالت:
"عنيدة زي يوسف بالظبط."
قعدت ليان على الكرسي الصغير جنب الترابيزة وبدأت ترتب الكوبايات وتصب الشاي، وسمر واقفة تبص لها بابتسامة خفيفة، مستغربة من إصرارها رغم التعب.
في اللحظة دي الجو بقى فيه دفء غريب، كأن المطبخ لأول مرة فيه روح "عيلة واحدة" حقيقية.
في اللحظة دي رنّ موبايل أم يوسف، بصّت للشاشة ولقت يوسف بيتصل.
ردّت بسرعة وهي بتلمع إيديها في المريلة:
– "أيوه يا يوسف يا ابني؟"
صوته كان باين عليه مستعجل:
– "يا ماما الفطار راح للعمال ولا لسه؟"
ابتسمت وقالت وهي تبص على الصينية الكبيرة الجاهزة:
– "راح خلاص، متقلقش. كله تمام."
يوسف تنهد بارتياح:
– "تمام، خليكوا مطمّنين… أنا هتأخر شوية في المشفي."
قفل الخط، وأم يوسف رجعت تبص لليان اللي كانت مركّزة وهي بتصب الشاي.
ليان رفعت عينيها وقالت بهدوء، كأنها بتحكي لنفسها:
– "يوسف قال عنده حاجات في العياده والارض… وأنا كان عندي معاد مع الدكتورة النهاردة."
سمر وهي بتمسح الترابيزة وقفت لحظة، بصّت لها باستغراب:
– "طب مش هييجي معاكي؟"
ليان حرّكت راسها بخفة، وحاولت تبتسم:
– "لا، شكله هيتأخر… أروح لوحدي المرة دي."
أم يوسف لمحت القلق في صوتها، قربت منها وقالت بحنية:
– "يا بنتي لو مش مرتاحة، أخلي حد يوصلك."
ليان أخدت نفس عميق وردّت:
– "لا يا طنط… عايزة أجرّب أروح لوحدي. يمكن أحس إن لسه عندي قوة."
سكتت سمر لحظة، وبعدها بصت لها وقالت:
– "طيب، بس خدي بالك من نفسك. الحمل مش سهل زي ما بتفتكري."
ابتسمت ليان بخجل، وهي تحاول تخفي التوتر اللي جواها. الجو في المطبخ كان دافي، بس جوا قلبها كان في ارتباك… خطوة صغيرة إنها تروح لوحدها، لكنها حاسّة إنها كبيرة
ليان طلعت أوضتها بهدوء، وقفت قدام الدولاب شوية محتارة، لحد ما اختارت طرحة قطن خفيفة وفستان واسع لونه أزرق فاتح. وقفت قدام المراية تعدل طرحها، لمحت شحوبها ودوائر التعب تحت عينيها… بس ابتسمت لنفسها ابتسامة صغيرة كأنها بتشجع نفسها.
لبست و، مسكت شنطتها، ونزلت على مهل لحد ما خرجت من باب البيت. الشمس كانت لسه طالعة، والجو فيه نسمات هوا باردة خلتها تحس إنها بتتنفّس من جديد.
الطريق للمستشفى كان قصير، لكنها طول المشوار كانت حاسة بقلق. إيدها كل شوية تتحرك على بطنها من غير ما تاخد بالها، وكأنها بتطمن على النونو.
دخلت عند الدكتورة، قعدت قدامها وهي بتحاول تخفي توترها.
الدكتورة ابتسمت وقالت وهي بتراجع التحاليل:
– "الحمد لله، وضع البيبي كويس."
ليان ابتسمت براحة، بس قبل ما تتكلم، كملت الدكتورة بنبرة جادة شوية:
– "لكن لازم تاخدي بالك يا ليان… الحمل عندك محتاج حرص أكتر. أي مجهود زيادة أو تعب ممكن يرهقك بسرعة."
ليان عضّت شفايفها وقالت بخفوت:
– "يعني لازم أرتاح أكتر؟"
الدكتورة أومأت برأسها:
– "بالظبط. الراحة أساسية دلوقتي. يوسف لازم يعرف إنك مش هتقدري تتحملي كتير."
ليان سكتت، قلبها بيتخبط بين خوف وراحة… مطمنة إن النونو بخير، لكن قلقانة من المسئولية اللي أكبر منها.
خرجت من العيادة تمشي ببطء، والهوا بيضرب في وشها، وعينيها شاخصة بعيد… كأنها بتسأل نفسها:
هو يوسف هيقدر يفضل جنبي طول الطريق ده؟ ولا هضطر أكون قوية لوحدي؟
ليان رجعت البيت وهي مرهقة، دخلت أوضتها وحطت الشنطة على الكومودينو، وبهدوء طلّعت علبة الفيتامينات وأدوية المتابعة وحطتهم على الترابيزة الصغيرة جنب السرير. غيّرت هدومها لفستان بيت مريح، وقعدت شوية ساكتة تفكر في كلام الدكتورة.
البيت كان هادي، بس في قلبها دوشة من القلق. أخدت نفس عميق وهي تقول لنفسها:
“لازم أكون هادية… يمكن يوسف مشغول ومضغوط، بس لازم يعرف.”
عدّى اليوم ببطء، ولما المغرب قرب، سمعت صوت باب البيت بيفتح. يوسف دخل تعبان، هدومه مش برافكت كالعاده، ووشه باين عليه الإرهاق. دخل الأوضة وهو بيخلع الجاكيت، عينه وقعت على الأدوية اللي مرصوصة على الترابيزة.
وقف مكانه لحظة وقال باستغراب:
– "إيه ده يا ليان؟… إنتي رحتِ للدكتورة النهاردة؟"
ليان رفعت عينيها له، بصوت هادي بس فيه عتاب:
– "أيوه… رحت لوحدي. إنت نسيت المعاد."
يوسف اتسمر مكانه، حاول يرد بسرعة:
– "والله ما كان قصدي… الشغل خدني ومجاش في بالي."
الدموع لمعت في عين ليان، بس فضلت ثابتة وقالت:
– "الدكتورة قالت البيبي كويس الحمد لله… بس لازم أخد بالي أكتر. الحمل صعب ومش مستحمل أي تعب."
يوسف قرب منها وقعد قدامها على طرف السرير، مد إيده على إيديها وقال بنبرة حزينة:
– "سامحيني يا ليان… عندي تقصير، عارف. بس والله مش بنسى غير من كتر الضغط. كان لازم أكون معاكي."
ليان بصت له شوية، قلبها متلخبط بين الزعل والحب، وقالت بهدوء:
– "أنا مش بلومك… بس محتاجاك تفكر فينا زي ما بتفكر في العياده والشغل. أنا والنونو محتاجينك."
يوسف ضم إيديها بقوة، وصوته واطي:
– "من النهارده مش هسيبك تروحي لوحدك… أي حاجة تخصكوا أنا معاكم."
ليان ابتسمت بخجل، ولسه دمعة صغيرة نازلة على خدها… بس جوه قلبها حسّت إن كلامه أراحها
يوسف مسح عرقه وهو لسه ماسك إيد ليان، وبعد لحظة بص على الأدوية اللي عالترابيزة وقال بهدوء:
– "طب قوليلي… خدتي الجرعة النهارده؟"
ليان أومأت برأسها بابتسامة صغيرة:
– "أيوه، خدتها زي ما الدكتورة قالت. ماتقلقش."
يوسف تنهد براحة، وسند ضهره على الكرسي جنب السرير. لحظة صمت قصيرة عدّت، بعدها رفع عينيه وقال:
– "تعرفي يا ليان… الدنيا في المستشفى الفترة دي مش مظبوطة خالص."
ليان استغربت، قربت بجسمها شوية وسألته:
– "إزاي يعني؟"
يوسف حكّ راسه بتعب وقال:
– "فيه مشاكل مالية كبيرة، ومعدات ناقصة. فوق ده كله، في ناس جديدة مسكت الإدارة وعايزين يغيّروا كل حاجة بسرعة… والعمال متضايقين."
ليان فضلت ساكتة، بتسمعه بكل تركيز، نظراتها كلها قلق عليه.
يوسف كمل:
– "أنا طول النهار بجري بين العياده اللي بتبني والمستشفى، ومش عارف أوازن. حسّيت النهارده إن الشغل بياكل وقتي… حتى نسيّت معاد الدكتوره."
ليان مدت إيدها ولمست إيده بخفة:
– "عارفة إنك شايل فوق طاقتك… بس عايزة أقولك حاجة: مش لازم تشيل الدنيا كلها لوحدك. حتى لو في مشاكل، ربنا كبير، والأهم دلوقتي إنك ماتنساش نفسك ولا تنساني."
يوسف بص لها نظرة ممتنة، وابتسامة صغيرة ظهرت على وشه رغم التعب:
– "إنتي اللي بتفكريني إن لسه فيه حاجة تستاهل أتعب عشانها."
ليان ابتسمت بخجل، وبصوت واطي قالت:
– "إحنا اللي بنستاهل يا يوسف… أنا والنونو."
يوسف شدها لحضنه من جديد، كأنه بيستمد طاقته من وجودها، وفي اللحظة دي حسّ إن مهما كانت مشاكل الدنيا بره… البيت ده هو ملجأه الحقيقي.
🫂🤍🫂🤍🫂🤍🫂🤍🫂🤍🫂
تاني يوم بدري، يوسف صحى من قبل الفجر وخرج على المستشفى. الدنيا كانت لسه هاديه
والبيت هادي غير صوت خطواته اللي نزلت على السلم. ليان فتحت عينيها بعد ما سمعته بيقفل الباب، حسّت بفراغ غريب جنبه، بس شدّت نفسها من السرير.
وقفت قدام المراية، رتبت طرحتها على عجل، ولبست فستان بيت بسيط، وبعدها بدأت ترتب الأوضة. مسحت الترابيزة، رتبت الستاير، وفتحت الشبابيك يدخل منها شوية هوا نضيف
نزلت المطبخ، لقت أم يوسف وسمر بيجهزوا للفطار كالعادة. ابتسمت وقالت وهي تحاول تخفي التعب في صوتها:
– "صباح الخير… أنا هساعدكم النهارده."
سمر بصت لها وقالت بخوف بسيط:
– "إنتي متأكدة؟ مبارح الدكتورة قالت محتاجة راحة."
ليان ردّت وهي تحط الصحون جنبهم:
– "هساعد في الحاجات البسيطة بس… مش هتعب نفسي."
أم يوسف ابتسمت وقالت:
– "عنيدة زي ما هي… ربنا يقومك بالسلامة يا بنتي."
في اللحظة دي رنّ تليفون ليان. بصّت على الشاشة… يوسف.
ردّت بسرعة:
– "ألو؟"
صوته جه واضح فيه قلق:
– "إنتي صحيتِ يا ليان؟ خدتي الدوا بتاع النهارده؟"
ليان ابتسمت وهي تبص على علبة الأدوية اللي كانت محطوطة عالرف:
– "لسه هاخده دلوقتي… ماتقلقش، مش هنسى."
يوسف تنهد وقال:
– "أنا مضطر أفضّل هنا في المستشفى شوية… بس كل شوية هتصل أتأكد إنك بخير. لو حسيتِ بأي حاجة قوليلي فورًا."
ليان حاولت تخفي دمعة صغيرة نزلت من عينيها وقالت بصوت دافي:
– "ما تشيلش هم… خلّص شغلك وأنا بخير. ربنا يخليك لينا."
يوسف سكت لحظة، كأنه محتاج يسمع صوتها أكتر، وقال:
– "خلي بالك من نفسك… والنونو."
قفلت ليان الموبايل، وقلبها مليان امتنان، رغم غيابه، إلا إنه كان حاضر معاها كل لحظة.
بعد ما خلّصوا الفطار للعمال، قعدت ليان مع سمر وأم يوسف على الترابيزة الصغيرة في المطبخ. ريحة الشاي بالنعناع مالية الجو، والضحكة الخفيفة رايحة جاية بينهم.
أم يوسف وهي بتحرك السكر في كبايتها قالت:
– "على فكرة يا بنات، لازم نعدّي بكرة على سارة… عندها فرح قرايب جوزها، وعايزانا نكون موجودين."
سمر ابتسمت وقالت:
– "صح يا طنط، هي زعلت المرة اللي فاتت لما ماقدرتش أجي. المرة دي لازم أروح."
ليان فضلت ساكتة شوية، قلبها بيقول إنها مش هتقدر تتحرك بسهولة ولا تتحمل الزحمة.
أم يوسف بصت لها باهتمام:
– "وإنتي يا ليان؟ هتيجي معانا؟"
ليان حاولت ترسم ابتسامة، وقالت بهدوء:
– "والله يا طنط نفسي… بس الدكتورة قال محتاجة أرتاح الفترة دي. يمكن مش هقدر أروح."
سمر علّقت وهي تبص لها بنبرة أهدى من الأول:
– "معاكي حق، الزحمة والوقفة هتتعبك. خليكِ هنا أريحلك."
ليان نزلت عينيها للأرض، في قلبها غصة صغيرة إنها مش هتشاركهم، لكن بسرعة رفعت راسها وقالت بابتسامة ضعيفة:
– "المهم إنكم تفرّحوها وتبقوا معاها. أنا هبقى هنا."
أم يوسف مدت إيدها وربّتت على إيد ليان:
– "إنتي أهم حاجة عندنا دلوقتي… والفرح كتير، لكن صحتك لا تتعوّض."
ليان ابتسمت، وحسّت لأول مرة إن أم يوسف وسمر بيتعاملوا معاها بروح عيلة حقيقية، رغم إنها هتتخلّف عن المناسبة.
في نفس اليوم بالليل، رجع يوسف البيت. أول ما دخل كان واضح عليه التعب والضيق، رمى مفاتيحه على الكومودينو وقعد على الكنبة وهو ساكت، ماسك راسه بإيده.
ليان كانت قاعدة في الصالة، عاملة نفسها بترتب المخدات، لكن عينيها ما سابتوش. حسّت إن في حاجة مضايقاه، قلبها اتقبض، بس ماعرفتش تبدأ كلام.
قربت منه بخطوات هادية وقالت بصوت خافت:
– "الحمد لله على السلامة… تعبان؟"
يوسف هز راسه من غير ما يبص لها وقال:
– "أه… شوية."
سكت، كأنه مش عايز يحكي. ليان فضلت واقفة لحظة، تايهة بين رغبتها تسأله وبين خوفها تضغط عليه.
قعدت جنبه على الكنبة بهدوء، وبدون كلام مدت كباية ميه ناحيته.
يوسف أخدها وقال:
– "شكرًا."
بعد لحظة صمت طويلة، ليان قالت بخجل:
– "أنا حاسة إن في حاجة مضايقاك… بس لو مش عايز تتكلم دلوقتي، أنا جنبك وقت ما تحب."
يوسف بص لها نظرة سريعة، وفيها امتنان صغير، بس رجع سكت.
ليان اكتفت إنها تمسك إيده بلطف، كأنها بتقوله من غير كلام: "أنا معااك."
والليلة عدّت بهدوء، من غير ما يحكي، لكن يوسف حسّ جواه إن وجودها جنبه كان أهون من أي كلام.
ليان دخلت الأوضة بهدوء بعد ما خلصت شور، لابسة بيجامة قطن خفيفة وشعرها لسه مبلول. لقت يوسف قاعد على السرير، مسند ضهره على المخدة، شكله لسه مضايق.
قربت منه وقالت بابتسامة هادية:
– "أهو خلصت، مستعدة للنوم."
يوسف فضّل ساكت لحظة، عينيه مثبتة في الأرض. وبعدين فجأة قال بصوت مبحوح:
– "ليان… أنا النهاردة اتعصبت أوي."
ليان اتفاجئت إنه ابتدى يفتح قلبه، قعدت جنبه وقالت:
– "خير يا يوسف؟ إيه اللي حصل؟"
تنهد وقال:
– "في واحد من الإدارة… بيتدخل في كل صغيرة وكبيرة. بيكلمني كإني مش فاهم شغلي، مع إني اللي ماسك المكان من سنين. الكلامه وجعني… حسيت إنه بيشكك في تعبي ومجهودي."
ليان مدت إيدها ومسكت إيده، بصت له بعينيها بكل اهتمام:
– "يوسف، إنتَ تعبت وبذلت مجهود كبير، وكل اللي حواليك عارفين ده. كلمة أو اتنين مش هينقصوا من قيمتك. بالعكس، اللي يضايقك هو اللي مش شايف الحقيقة."
يوسف بص لها، وفي عينيه مزيج من الغضب والراحة لأنه لقى حد يسمعه.
– "أنا مش بزعل لنفسي بس… بزعل عشان حاسس إني لو ضعفت، كل اللي حواليا هيتأثروا."
ليان حركت راسها وقالت بهدوء:
– "مفيش حد قوي طول الوقت… حتى إنت يا يوسف. بس الفرق إنك مهما وقعت، بتعرف تقوم تاني. وأنا… موجودة عشان أكون سندك زي ما إنت سندي."
يوسف حس بالراحة، لأول مرة من ساعة ما رجع البيت. شدها جنبه وقال:
– "ربنا يخلّيكِ ليا يا ليان."
ابتسمت وهي تحط راسها على كتفه:
– "وإنت كمان."
والليلة خلصت على هدوء… بعد ما شاركها همه، حس إن الضيق اللي كان جواه أخف كتير.
الصبح بدري، يوسف صحى وراح شغله بدري زي كل يوم. ليان صحّت وودعته بابتسامة وقالت له:
– "خليك فاكر كلامي… محدش يقدر يقلل من تعبك."
يوسف اكتفى بهزة راس وهو ماشي، بس جواه كان محتاج يصدق ده.
في المستشفى، دخل مكتبه وهو شايل هم اليوم، لكن أول ما قعد، جاله ممرض عجوز من اللي شغالين معاه بقالهم سنين وقال له بابتسامة صافية:
– "دكتور يوسف… ربنا يباركلك، انتَ مبارح بس وقفت مع المريض اللي في العناية وخلّصت له الإجراءات بسرعة. أهله كانوا بيدعولك طول الليل."
يوسف اتفاجئ، حس بدفا غريب جواه. لسه بيفكر في كلام الممرض، لقى الممرضة الصغيرة دخلت بابتسامة متوترة وقالت:
– "دكتور، المدير بنفسه سأل عنك… وبيقول إنك أحسن واحد بيعرف يتعامل مع الحالات الحرجة. طلب تبقى إنت المسؤول عن الحالة الجديدة اللي جاية النهاردة."
يوسف وقف للحظة، قلبه بيرجع له الثقة اللي فقدها. افتكر كلام ليان: "محدش يقدر يقلل من تعبك."
اتنهد وهو يقول في نفسه:
– "عندها حق… أنا مش شغلي اللي محتاج إثبات، أنا اللي محتاج أصدق في نفسي أكتر."
وبالفعل دخل يومه الجديد بطاقة مختلفة، كأنه استرد مكانه قدام نفسه قبل أي حد تاني.
في الطرف التاني 💫⭐
في البيت، الجو هادي خالص. أم يوسف وسمر كانوا خلاص راحوا عند سارة علشان الفرح، والبيت فاضي إلا من ليان.
قعدت على الكنبة، ماسكة بطنها، بتحاول تتنفس ببطء. الإرهاق كان واضح على وشها، جسمها كله تقيل ومش قادر يتحرك.
بصت للساعة، وقالت في سرها:
– "يوسف هيرجع وقت الغداء… ما ينفعش يلاقي الدنيا كده."
حاولت تقوم ببطء، رجليها تقيلة بس غصب عنها دخلت المطبخ. فتحت الدولاب وطلعت الرز، وحطت حلة صغيرة على النار. كانت كل حركة بتاخد منها مجهود كبير، العرق بدأ ينزل من جبينها بسرعة.
في اللحظة دي مسكت الرخامة علشان ما تقعش، وبصوت واطي قالت:
– "لازم أخلص… يوسف بيتعب طول اليوم، ما ينفعش أزوده هم."
قعدت على الكرسي الخشب الصغير في المطبخ، خدت نفس عميق، وبعدين وقفت تاني بالعافية تكمل. حتى وهي مرهقة، كان في جواها خوف من إنها تقصر في حقه أو تضايقه.
لكن في عينيها كان باين خليط غريب… إصرار إنها تعمل حاجة بسيطة تعبرله عن حبها، حتى لو جسمها مش مساعدها.
يوسف رجع البيت بدري من معاده شوية. فتح الباب بهدوء، وصوت المفاتيح وهو بيحطها على الترابيزة كان كفيل يخلي ليان تنتفض من مكانها في المطبخ.
هو دخل وهو بينادي:
– "مساء الخير… ليان!"
ليان مسحت بسرعة العرق اللي على جبينها، وحاولت ترسم ابتسامة:
– "أهلاً… لسه بجهز الاكل."
يوسف أول ما دخل المطبخ وقف مصدوم وهو شايفها واقفة بالكاد، ملامحها باينة عليها الإرهاق. قرب منها بسرعة وقال بنبرة عتاب ممزوجة بقلق:
– "يا ليان… إنتي تعبتِ نفسك ليه؟!"
مد إيده وسندها على الكرسي:
– "كنتِ قاعدة ترتاحي، وأنا لما أرجع كنت أتصرف. إيه اللي مخليكي واقفة في الحر ده تعملي أكل؟"
ليان نزلت عينيها وقالت بصوت واطي:
– "ما حبيتش ترجع تلاقي مفيش حاجة جاهزة… خفت تزعل أو تتضايق."
يوسف تنهد وهو يبص لها باستغراب:
– "أزعل؟! إنتي بتقولي إيه؟ أنا طول اليوم بفكر إزاي أريّحك، وإنتي همّك إني أزعل؟"
قعدها غصب على الكرسي وجاب كباية ميه وحطها قدامها:
– "اشربي. وبعدين، فين أمي وسمر؟ سايبينك لوحدك تعملي كل ده؟"
ليان رفعت راسها مترددة وقالت:
– "هم راحوا عند سارة… وأنا لقيت نفسي لوحدي."
يوسف اتفاجئ، نبرته عليت شوية من القلق:
– "يعني كنتِ لوحدك طول اليوم؟! يا ليان ده حملك مش سهل… إزاي تعملي كده؟"
هي ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
– "كنت عايزة أحس إني بعمل حاجة… مش مجرد قاعدة بستناك."
يوسف قرب منها، مسك إيدها بحنية وقال:
– "إنتِ وجودك جنبي أكبر حاجة… مش محتاج منك أكتر من كده. المرة الجاية متتعبيش نفسك، وعد؟"
ليان غمضت عينيها وهي تهز راسها بالموافقة، بس جواها كان خليط بين الراحة من اهتمامه… والضعف من إنها مش قادرة تعمل اللي نفسها فيه.
يوسف بعد ما شربها الميه وبص في وشها المرهق، وقف وقال بحزم:
– "خلاص… إنتي مش هتقومي من الكرسي ده."
دخل جوه المطبخ، لبس المريلة القديمة اللي كانت معلقة وابتدى يحط الرز على النار ويجهز السلطة بسرعة. ليان قعدت تبص له وهي مش مصدقة، ضحكة صغيرة طلعت منها من غير قصد.
– "أنا مش مصدقة… يوسف في المطبخ!"
يوسف بص لها وهو بيقطع الخيار وقال بنبرة ما بين الجد والهزار:
– "أيوه يا ست، مش بس دكتور… ده كمان شيف معتمد."
ليان ضحكت أكتر، وحست لأول مرة من ساعة ما قامت من النوم إنها خفيفة، كأن همها نزل.
لما خلص الأكل، جه يوسف وقرب منها، مسح بإيده على جبينها وقال:
– "شوفي؟ الدنيا مش وقفت… ولا أنا زعلت. بالعكس، أنا فرحان إني قدرت أخليك ترتاحي."
هي ابتسمت ابتسامة صافية وقالت بهدوء:
– "ربنا يخليك ليا يا يوسف… إنت اللي مطمّن قلبي."
مد إيده وشال الصينية وقال:
– "يلا بينا ناكل سوا… وبعدها على السرير ترتاحي. واعتبريها أوامر."
ليان قامت وراحت معاه على السفرة، وقلبها مليان امتنان إن جوزها مش بيشوفها مجرد "واجبات بيت"، لكن شريك حقيقي.
بعد ما خلصوا الأكل، يوسف لقى ليان متكئة على الكرسي، باين عليها التعب. قام بسرعة ولملم الصحون وهو يقول:
– "خلاص، أنا هخلص دول… إنتي ارتاحي."
ليان ابتسمت بخجل وقالت:
– "هو أنا اللي المفروض أخدمك مش العكس."
يوسف رجع قعد قدامها، مسك إيدها ونظر لها بجدية:
– "ليان… بلاش الكلام ده. أنا مش عايزك تشيلي هم غير نفسك والنونو."
سكتت لحظة، وعينيها غرقت بالدموع من غير ما تحس، وقالت بصوت واطي:
– "يوسف… أنا بخاف. بخاف الحمل ده يكون صعب عليا… بخاف يحصل حاجة للنونو. ساعات بحس إني ضعيفة ومش قادرة."
يوسف مد إيده ومسح دموعها بسرعة، قرب منها وقال بحزم وحنان في نفس الوقت:
– "بصيلي… طول ما أنا جنبك مفيش حاجة هتحصل. إنتي أقوى مما تتخيلي. وكل خوفك ده طبيعي، بس ما تسيبيهوش يسيطر عليكي."
هي غمضت عينيها كأنها بتحاول تمسك بكلامه جوا قلبها، وقالت بخفوت:
– "أنا بجد بارتاح لما بسمعك."
يوسف ابتسم وقال وهو يحط إيد على بطنها:
– "إحنا التلاتة فريق واحد… أنا، إنتي، والنونو. مفيش حاجة هتهزمنا."
ليان ضحكت وسط دموعها، وأول مرة من فترة طويلة حست إنها مش لوحدها في المعركة دي.
يوسف بعد ما خلص كلامه معاها وقعدوا شوية في هدوء، قام وهو بيلبس الجاكيت وقال:
– "أنا هنزل أشوف العمال اللي في الأرض… أشوف وصلوا لحد فين في البناء، وهرجع بسرعة."
ليان بصت له بخوف بسيط وقالت:
– "طب ما تتأخرش… إنت لسه راجع تعبان."
يوسف ابتسم وهو بيقرب منها، طبع قبلة خفيفة على جبينها:
– "ما تقلقيش، نص ساعة وأكون هنا. ولو تعبتِ أو حسيتِ بحاجة، كلميني فورًا."
ليان هزت راسها بالموافقة، لكنها وهي بتتبعه بعينيها وهيتمشى لحد باب الأوضة، حسّت بقلق جواها من غير سبب واضح… يمكن بسبب الحمل، ويمكن بس لأنها بقت متعلقة بوجوده جنبها.
يوسف خرج وهو بيكلم العمال في التليفون، وصوت خطواته اختفى برة… وسيب البيت في هدوء غريب.
ليان فضلت قاعدة على الكنبة، بتحاول تشغل نفسها بترتيب شوية حاجات حواليها، لكن عقلها كان بيرجع ليوسف كل دقيقة.
ليان كانت قاعدة على الكنبة، ماسكة بطنها شوية كأنها بتحاول تطمّن نفسها. فجأة رنّ الموبايل، شافت اسم "ماما يوسف" على الشاشة.
ردت بسرعة تحاول تثبت صوتها:
– "ألو… إزيك يا طنط؟"
أم يوسف صوتها كان فيه قلق:
– "إنتي عاملة إيه يا ليان؟ صوتك مش عاجبني… تعبانة؟"
ليان ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم إنها مرهقة وقالت بهدوء:
– "لا والله يا طنط، مفيش حاجة. يمكن بس محتاجة أرتاح شوية."
أم يوسف زود قلقها:
– "يا بنتي إنتي صوتك باين عليه مرهق… طب عايزة أجيلك دلوقتي؟"
ليان بسرعة ردت:
– "لا لا، بلاش، إنتي مع سارة دلوقتي… خلّيكي جنبها. أنا كويسة، صدقيني. هنام شوية وأكون زي الفل."
أم يوسف سكتت لحظة وقالت بحنان:
– "طيب يا حبيبتي… بس لو تعبتِ أو حسيتِ بحاجة، كلميني فورًا. إنتي مش لوحدك، فاهمة؟"
ليان عينيها لمعت من الكلمة الأخيرة، وقالت بصوت واطي:
– "فاهمة يا طنط… ربنا يخليكي ليا."
قفلت المكالمة وهي بتحاول تبان قوية، لكنها في الحقيقة كانت حاسة إنها محتاجة يوسف جنبها دلوقتي أكتر من أي وقت.
بعد ساعة تقريبًا، يوسف رجع من بره. دخل البيت وهو بيشيل همّها في باله قبل أي حاجة.
لف في الصالة لقاها نايمة على الكنبة، ملامحها تعبانة جدًا، و شعرها مبهدل سيكه. قلبه وجعه وهو شايفها كده.
قرب منها بهدوء، انحنى ولمس خدها بحنية:
– "ليان…"
هي اتحركت حركة خفيفة، فتحت عينيها نص فتحة وقالت بصوت واطي:
– "يوسف… رجعت؟"
يوسف ابتسم وهو بيشيلها بين إيديه كأنه شايل حاجة غالية جدًا:
– "أيوه… رجعت. بس ليه نايمة هنا يا مجنونة؟ مكانك جوه."
ليان وهي حطّة راسها على صدره، قالت بتعب:
– "مستنياك… نمت من غير ما أحس."
يوسف دخل بيها الأوضة، فرشها على السرير برفق، وسحب الغطا عليها. وهو بيظبط لها شعرها قال بهدوء:
– "أنا قلتلك تريّحي، ليه بتتعبي نفسك يا ليان؟"
هي غمضت عينيها تاني، وحسّت بدفا حضنه حواليها حتى وهي نايمة.
يوسف رجع من المشفى بعد يوم طويل جدًا، عينيه حمرا من الإرهاق، وصوته متغير من كتر الكلام والشغل. دخل البيت وهو متوقع يلاقي ليان نايمة أو على الأقل مرتاحة زي ما أوصّاها الدكتوره.
لكن أول ما فتح باب الصالة، وقف مكانه متجمد.
ليان كانت واقفة عند الترابيزة، بتحط أطباق العشا اللي واضح إنها هي اللي جهزتها، ووشها باين عليه الإرهاق والتعب.
يوسف بص لها بصدمة وقال بنبرة عالية من غير ما يقصد:
– "ليان! إنتي بتعملي إيه؟!"
هي اتفاجئت من نبرته، وقفت مكانها وقالت بخوف خفيف:
– "كنت… كنت بجهزلك العشا. قلت ترجع تلاقي الدنيا جاهزة."
يوسف رمى شنطته على الكنبة، ومشي ناحيتها بسرعة وصوته مليان غضب ممزوج بخوف:
– "يعني أنا بلف في المشفى طول النهار، قلقان عليكي، والدكتورة قايلة ترتاحي وما تتحركيش… وأول ما أرجع ألاقيك واقفة بتطبخي؟!"
متنسوش تقولوا رايكوا 🤎 🦋
وتعملوا ليا فولو عشان يوصل ليكوا كل الفصول الجديده
بقلمي....أسماء محمد