الفصل السادس
في المساء...
عادت جلنار إلى منزلها، لكنها لم تكن كما كانت...
جسدها حاضر، يتنفس ويتحرك، لكن عقلها ظلّ مسجونًا بين سطور تلك الرسالتين الغامضتين، وصدى الصورة التي لم تبرح مخيلتها.
وضعت هاتفها على الطاولة، ثم ارتمت على الأريكة، وأسندت رأسها إلى الخلف.
أغمضت عينيها، محاوِلة أن تطرد ما حدث من ذهنها، لكن عبارة:
"الماضي يلاحقك"
كانت تطنّ في أذنيها كصفارة إنذارٍ لا تهدأ.
رنّ الهاتف مجددًا.
قفز قلبها قبل أن تلمس الشاشة.
فتحت الجهاز بسرعة...
لكن لا إشعار،
ولا رسالة،
ولا شيء على الإطلاق.
وكأن الهاتف يسخر من رعبها.
همست لنفسها، وصوتها بالكاد يُسمع:
ــ "هل بدأت أتوهم؟"
لكن وقبل أن تضعه جانبًا، انطفأت الشاشة فجأة... ثم عادت للإضاءة من تلقاء نفسها، تعرض هذه المرة صورة قديمة، لم تكن ضمن ملفاتها أصلًا.
كانت صورة لفتاة شابة تُشبه جلنار تقف أمام بوابة جامعة قديمة، بجانبها ظلٌّ غامض، لم تتبيّن ملامحه.
أسفل الصورة كُتبت عبارة بخطّ باهت:
"كل شيء يعود من حيث بدأ."
شهقت جلنار بصوتٍ مسموع، وضغطت على زر الإغلاق مرارًا.
لكن الهاتف لم يستجب.
ارتعشت أصابعها، وتوردت عيناها بمزيج من الذعر والحيرة والذكريات التي بدأت تتحرك كالأشباح في رأسها.
تمتمت بصوتٍ مرتجف:
ــ "ما هذا...؟!"
ثم ظهر إشعار جديد على الشاشة:
"تظنين أنكِ دفنتِ الماضي؟ لا يا جلنار... لقد كنتِ فقط تغطّينه بالتراب."
عقدت حاجبيها، تحاول أن تفهم، أن تتذكّر...
ــ "ماذا يعني؟ عن أيّ ماضٍ يتحدّث؟!
أنا لا أذكر أن لي ماضيًا مع أحد..."
لكن لم يكن للمنطق مكان في قلبها تلك اللحظة... كان الذعر يخيم كضباب كثيف، يلتف حولها.
طرقٌ خفيف على الباب قطع سيل أفكارها، لكنها لم تُجب.
فُتح الباب ببطء، وظهرت وتين، تنظر إلى أختها بدهشة، وقد لاحظت شرودها وارتباكها.
اقتربت منها، وضعت يدها بلطف على كتفها وقالت:
ــ "جلنار؟!"
قفزت جلنار في مكانها، ارتجفت، كأنها عادت من عالمٍ آخر.
قالت وتين بقلق:
ــ "أأنتِ بخير؟ ما بكِ؟"
وضعت جلنار يدها على صدرها محاولة تهدئة دقات قلبها، ثم أجابت بصوت خافت:
ــ "لا شيء... كنت فقط شاردة."
ــ "حسنًا... كيف حال عفراء؟ لقد أخبرتني جدتي بكل ما حدث."
ــ "الحمد لله... هي تتحسّن."
صمتت وتين للحظة، ثم قالت بأسى:
ــ "لقد أحزنني ما فعلته... لماذا فعلت ذلك بنفسها؟"
تنهدت جلنار، كأنها تحمل الجواب لكنها لا تملكه:
ــ "لا أعلم... أظن أنها تعاني الكثير."
صمتٌ ثانٍ، طويل لكنه دافئ.
ثم قالت وتين بتردد:
ــ "أممم... جلنار؟"
ــ "نعم؟"
ــ "هل يمكنني النوم معك الليلة؟"
رفعت جلنار حاجبيها:
ــ "معي؟! ما بكِ؟ هذا ليس من عادتك..."
ابتسمت وتين ابتسامة باهتة:
ــ "لا شيء... فقط هكذا. إن كان لكِ مانع فلا بأس."
ردّت جلنار وهي تحتضنها بحنان:
ــ "لا يوجد أي مانع... مرحبًا بكِ، دائمًا."
احتضنتها، وكأن هذا الحضن لم يكن فقط للاطمئنان، بل كان أيضًا ملاذًا من كل خوفٍ يختبئ خلف الجدران.
🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀
في مكانٍ آخر...
أدار قيس مقود السيارة بهدوء، وانعطف بها نحو اليمين، ليعبر البوابة الحديدية الكبيرة التي انفتحت تلقائيًا أمامه.
دخل الساحة الأمامية للفيلا التي يقطنها مع والديه، وأوقف السيارة بمحاذاة الدرج الرخامي. أطلق تنهيدة طويلة وهو يطفئ المحرّك، وكأن صدره يضجّ بما لا يُقال.
تريّث في جمع مفاتيحه، وكأن شيئًا خفيًّا يُثقل كاهله... شيئًا لم يُفارقه منذ تلك الجلسة الأخيرة مع جلنار.
فتح باب السيارة بهدوء، وخرج منها بخطى متثاقلة، رافعًا بصره إلى شرفة الطابق العلوي... حيث اعتادت والدته أن تنتظره كل مساء.
لم يُخيب ظنه، كانت واقفة هناك، بوجهها الحنون الذي لطالما كان ملاذه في الطفولة. ابتسم لها قائلاً:
ــ مرحبًا أمي.
ردّت بابتسامة دافئة، وقد علت نبرة القلق صوتها:
ــ أهلًا... لقد تأخّرتَ اليوم، وهذا ليس من عادتك.
ــ كان يومًا مرهقًا، واضطررت للبقاء حتى أنهي بعض الأعمال.
أمعنت النظر في وجهه، تتفحص ملامحه بعيني الأم التي لا يُخفى عنها شيء:
ــ ما هذه الهالات السوداء تحت عينيك، يا بني؟! هل أنت متعب؟
ــ قليلًا... فقط أحتاج إلى بعض النوم وسأكون بخير. ألن تذهبي للنوم الآن؟
ــ لا، لديّ برنامج أود متابعته.
ــ حسنًا... إذن تصبحين على خير.
ــ وأنت من أهله.
صعد قيس الدرج الداخلي بخطى بطيئة، وكأنه يجرّ خلفه ثقل قلبه...
وما إن دخل غرفته، حتى ألقى بجسده المُنهك على السرير وقال بتنهيدة:
ــ آه... أخيرًا وصلت.
لكن راحته لم تدم طويلاً، إذ بدأت طرقات مزعجة تدق على الباب. تأفف في ضيق وهو يغمغم:
ــ أوف... يا إلهي... ادخلي!
أطلت ريحان برأسها من خلف الباب، تبتسم ابتسامة صبيانية كعادتها، ثم قالت بنبرة مازحة:
ــ طبيبُنا النفسي!
رمقها بنظرة متعبة:
ــ ماذا تريدين يا ريحان؟
اقتربت منه، وقد بدا القلق في عينيها رغم محاولتها إخفاءه، وقالت:
ــ ما بك؟ طبيبنا لا يستطيع معالجة نفسه؟
زفر في انزعاج، وصاح:
ــ ريحااااااان...
ضحكت بخفة وقالت:
ــ حسنًا، حسنًا... فقط أخبرني، ما بك حقًا؟
ــ وكأنك لا تعلمين!
ــ كنت أظن أنك ستكون بخير.
أشاح بوجهه وهو يقول بحرقة:
ــ وكيف أكون بخير؟! إنها لا تتذكرني بأي شكل... لا شيء، ولا حتى لمحة!
هزّت رأسها بأسف:
ــ أعلم...
ــ واقترحك ذاك لم يُزِد الأمور إلا سوءًا.
اقتربت منه، وجلست على طرف السرير، وقالت بحزم ممزوج بالحنان:
ــ فعلتُ ذلك من أجلكما، صدقني.
اسمعني جيدًا، أخي...
عليك أن تُواجه، أن تُقاتل من أجل ما تريد.
أنت تملك القوة، وأنا أؤمن بك أكثر مما تتخيّل.
_ آه
🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀
كانت تركض بكل ما أوتيت من قوة...
أنفاسها تتلاحق، وقلبها يكاد يخرج من بين أضلاعها، ثمة شيء يطاردها... لا تعرف كنهه، لكنه ينهكها شيئًا فشيئًا.
ركضت حتى وصلت إلى نهاية الطريق، إلى حافة جرفٍ سحيق...
توقفت، تلهث وتلتفت يمنة ويسرة، تبحث عن مهرب، عن ملجأ، لكن لا سبيل...
الشيء الذي يلاحقها يقترب... يقترب أكثر...
وفجأة...
سقطت.
جسدها يهوي في الفراغ، والريح تصفع وجهها، وصراخها يعلو:
_ "آآآاااه! يا إلهي! ما هذا؟!"
ثم...
استفاقت.
شهقة حادة مزّقت سكون الليل، فتحت عينيها على اتساعهما، العرق يبلل جبينها، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة.
نظرت حولها بارتباك، فلم تجد سوى الظلام يلفّ الغرفة، وأختها تغط في نومٍ عميق بجوارها، ملامحها هادئة كأنها في عالم آخر.
رفعت جلنار نظرها نحو الساعة: الرابعة فجرًا.
زفرت ببطء، حاولت أن تعود للنوم، لكن جفونها أبت أن تستسلم. بقيت مستلقية، تحدّق في السقف كأنها تنتظر شيئًا... شيئًا لا تعرفه.
ومع حلول السادسة صباحًا، بدأ كل شيء يعود إلى الحياة...
تسلّلت خيوط الضوء عبر النافذة، وارتفعت همسات العالم من حولها، معلنةً بدء يومٍ جديد.العصافير غردت بخجل، وضوء الشمس انسدل على الجدران بلطف، يطرد بقايا الليل البارد.
جلنار لم تتحرّك من مكانها، ظلت مستلقية على ظهرها، تحدّق في السقف بعينين زائغتين.
كان الكابوس حيًّا في ذاكرتها، كأنه لم يكن حلمًا بل ذكرى.
ذلك الشعور الذي لاحقها... الركض... الطريق المسدود... السقوط... لم يكن مجرّد خيال، كان وكأن قلبها عاشه بكل تفاصيله.
تمتمت بصوت خافت:
_ "لماذا يتكرر؟ ما معنى هذا الجرف؟ وما ذاك الشيء الذي يلاحقني كل مرة؟"
نهضت أخيرًا، متثاقلة، وسارت نحو المرآة، تتأمل وجهها الشاحب وعينيها المنتفختين من قلّة النوم.
أدارت الصنبور وغسلت وجهها بالماء البارد، لعلّه يوقظها مما تبقى من الحلم.
خلفها، بدأت أختها وتين تتحرّك بكسل في سريرها، تتقلب وهي تغمغم:
_ "جلنار... صباح الخير...لماذا استيقظت باكرا؟"
ردّت بهدوء وهي تجفف وجهها:
_ "ما لم أستطع النوم... حلم غريب."
جلست وتين على السرير، تفرك عينيها وتقول بابتسامة نصف نائمة:
_ "حلم أو كابوس؟"
ضحكت جلنار بسخرية مرّة:
_ "كابوس..."
تغيرت ملامح وتين، قالت بجدية:
_ "ما هو؟!."
_" لا تلقي له بالا...ربما فقط من التعب أصبحت الكوابيس تراودني"
_ "أمتاكدة؟"
جلنار لم ترد، بل جلست بصمت على حافة السرير، تتأمل يديها في شرود.
تساءلت في داخلها:
" لا أعلم...هل ما أراه مجرد كوابيس... أم أن شيئًا بداخلي يطلب النجدة؟"
🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀
في ردهة المستشفى، جلست الجدة إلى جانب أصف، وبدت على ملامحهما مزيج من القلق والرجاء وهما ينتظران أخبار عفراء.
اقترب منهما الطبيب بابتسامة مطمئنة، فسارع أصف إلى سؤاله:
— "كيف حال عفراء يا دكتور؟"
أجاب الطبيب بلطف:
—" الحمد لله، وضعها مستقر وهي في تحسّن جيّد."
تنفّس أصف الصعداء، ثم سأل بلهفة:
— "ومتى يمكنها مغادرة المستشفى؟"
ابتسم الطبيب مجددًا وقال:
— "يمكنها المغادرة اليوم، سنجري فقط بعض الفحوصات الأخيرة ثم تكون جاهزة للعودة إلى المنزل."
أشرق وجه أصف فرحًا وقال:
— "حسنًا، شكرًا لك يا دكتور."
فأجابه الطبيب مبتسمًا:
— "العفو، هذا واجبي."