حين صمتت المدينة - الفضل الرابع: الشاهدة الأخيرة - بقلم إكرام متوكل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين صمتت المدينة
المؤلف / الكاتب: إكرام متوكل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفضل الرابع: الشاهدة الأخيرة

الفضل الرابع: الشاهدة الأخيرة

--- كانت الساعة تقترب من منتصف الليل. المدينة غارقة في صمتٍ خانق، لا يُسمع سوى صفير الريح ووقع المطر على النوافذ. جلست رِهام في شقتها المظلمة، أمامها عشرات الصور والملفات المفتوحة، تحاول أن تربط بين الخيوط الأخيرة. لكن عقلها صار متعبًا من التفكير، وكأن الأصوات التي سمعتها في المستشفى لم تخرج من رأسها بعد. القاتل لم يُظهر نفسه منذ الحريق الأخير. لكنها تعلم أنه يراقبها. تشعر بعينيه في كل زاوية من الشقة، في كل ظلٍ على الحائط، في كل صوتٍ خافتٍ يأتي من الممر. أمسكت الكوب على الطاولة وارتشفت منه ببطء. تذوقت شيئًا غريبًا — طعم معدني، حاد، كأنها تبتلع دمًا. نظرت داخل الكوب، فرأته مملوءًا بسائلٍ أحمر غامق. شهقت ورمته أرضًا، لكنه تحطّم فارغًا. لا دم، لا شيء. مجرد وهم. لكنها لم تكن متأكدة بعد إن كان وهمًا فعلاً. --- رنّ الهاتف الأرضي فجأة، فارتجفت. مدّت يدها وأجابته بصوتٍ مرتعش: > "مَن؟" > "سهِرتي كتير، رِهام." تجمّدت. الصوت كان نفسه... ذلك الصوت البارد، الخالي من المشاعر. > "شو بدك مني؟ خلص، اكتفيت بدم الناس، مو؟" > "ما اكتفيت، لأن الحقيقة بعدها ناقصة. لأن الشاهدة لسه عم تختبئ من نفسها." > "أنا ما أخفي شي!" > "رح نشوف." ثم ساد الصمت، تلاه صوت صفير خفيف... كأن أحدًا يسجل محادثة. --- بعد دقائق، وصلت إلى بريدها الإلكتروني رسالة جديدة من نفس العنوان الغامض. فتحتها وهي تشعر بأنفاسها تختنق. الملف المرفق كان مقطع فيديو. ضغطت على التشغيل، وظهر فيه مقطع من كاميرا مراقبة قديمة، من دار الأيتام قبل عشر سنوات. في الفيديو، كان الأطفال يلعبون في الممر، والموظفون يتحركون بين الغرف. ثم يظهر رجل يحمل جالون وقود... وجهه واضح، والدها. لكن خلفه مباشرة، كانت طفلة صغيرة تمسك بيده — هي نفسها، رِهام. > "بابا... ليش عم نعمل هيك؟" "عشان ينسوا... ما لازم يضل حدا يعرف." ثم يبتسم، ويشعل النار. صرخت رِهام أمام الشاشة، ودموعها تنهمر. > "لا... مو أنا... أنا كنت صغيرة!" لكن القاتل أرسل رسالة قصيرة بعدها مباشرة: > "كنتِ الشاهدة... وصرتِ الشريكة." --- تنهّدت وهي تسقط على الأرض، تمسك رأسها بكلتي يديها. تذكّرت الآن كل شيء: في تلك الليلة، والدها أجبرها على الوقوف عند الباب لتراقب الطريق، ووعدها أنه سيخرج بعد لحظة... لكنه لم يخرج أبدًا. النار أكلت المبنى، والأطفال صرخوا، وهي ركضت. ركضت ولم تلتفت. ومنذ ذلك اليوم، لم تتكلم عن شيء. --- في اليوم التالي، استيقظت المدينة على فاجعة جديدة. خبر عاجل في كل الشاشات: > "الصحفية رِهام الحربي تختفي في ظروف غامضة بعد نشرها تقريرًا بعنوان (حين صمتت المدينة)." الناس قالوا إنها انتحرت. آخرون قالوا إن القاتل أخذها. لكن لا أحد وجد جثتها، فقط كاميرا مكسورة على ضفة النهر، وبجانبها وردة سوداء ذبلت تمامًا. --- بعد أسبوع، بثّت الجريدة فيديو قصير مجهول المصدر، يُظهر غرفة مضاءة بشمعة واحدة. في الفيديو، امرأة تجلس أمام الكاميرا، شعرها منكوش وملابسها متسخة بالدم، لكن ملامحها واضحة — إنها رِهام. قالت بصوتٍ هادئ، خالٍ من الحياة: > "كنت شاهدة. كنت ساكتة. وهلق... صرت صوت المدينة. العدالة ما بتموت، بتتجسّد." ثم نظرت مباشرة إلى الكاميرا، ابتسمت بخفة، وقالت الجملة الأخيرة قبل أن تنطفئ الصورة: > "حين صمتت المدينة... أنا صرت صرختها." --- بعد عرض الفيديو، توقفت الجرائم فجأة. لكن كل عام، في نفس اليوم، يجد الناس وردة سوداء أمام مبنى الجريدة، مكتوب تحتها بالدم: > “المدينة بتتذكر.” ---