حين صمتت المدينة - الفصل الثالث: أصوات من الرماد - بقلم إكرام متوكل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين صمتت المدينة
المؤلف / الكاتب: إكرام متوكل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث: أصوات من الرماد

الفصل الثالث: أصوات من الرماد

--- كانت رِهام تستيقظ كل ليلة على نفس الكابوس — نيرانٌ تشتعل، صراخ أطفال، ووجه نصف محترق يخرج من اللهب وهو يناديها باسمها. لم تعد تعرف إن كانت تتذكر أم تتخيل. منذ لقائها بالقاتل في دار الأيتام المهجور، حياتها انقلبت إلى جحيمٍ حيّ. كانت الجريدة قد أوقفتها عن العمل “مؤقتًا” بعد الحادثة، لكنها لم تستطع التوقف عن البحث. على مكتبها القديم، تراكمت الصور والتقارير، وكل خيط كانت تتبعه يقودها إلى مكانٍ واحد: مستشفى العقول القديمة في أطراف المدينة — المكان الذي نُقل إليه الناجون من الحريق قبل أن “يختفوا” بلا أثر. --- وصلت المستشفى وقت الغروب. المبنى كان مهجورًا، والجدران متآكلة، والنوافذ مغطاة بالغبار. حين دخلت، رائحة العفن والحديد صدتها للحظة، لكنها تابعت بخطواتٍ بطيئة. صوت خطواتها تردد بين الممرات الطويلة. وفي نهاية الممر، باب حديدي عليه لافتة باهتة كُتب عليها: "القسم المحروق." دفعت الباب بصعوبة، فانفتح على قاعة مظلمة فيها أسرّة صدئة وسجلات متناثرة على الأرض. بدأت تقرأ الأسماء في الملفات القديمة… إلى أن توقفت فجأة عند اسمٍ مألوف: > ليان عواد – مفقودة – ناجية من الحريق. عيناها اتسعتا. ليان… نفس الفتاة التي ظهرت صورتها في الملفات القديمة. وفي الملف، ملاحظة بخط الطبيب: > “الطفلة تتحدث مع شخص لا يراه أحد… تقول إنه سيعود ليحرق المدينة كما حرقتهم.” --- في تلك اللحظة، انطفأ المصباح فجأة. الظلام غمر المكان، وبدأت تسمع همسات خافتة تأتي من كل الاتجاهات. > “رهام…” “كنّا نصرخ، ليش سكتّي؟” “النار كانت تضحك…” وضعت يديها على أذنيها وصرخت: > "اسكتوووو!" لكن الهمس ازداد، حتى شعرت كأن الجدران كلها تتنفس. أضاءت فجأة شعلة صغيرة في الزاوية، وظهر شخص واقف هناك — نفس المعطف الأسود، نفس العيون الرمادية. قال بصوت منخفض، مخيف الهدوء: > "رجعت للمكان اللي بدأ منه كل شي، حلو... كنت عارف إنك رح تجي لهون." تراجعت خطوة، سألته بصوت مرتجف: > "ليش أنا؟ ليش كل هالشي ضدي؟!" ابتسم ببطء، ثم قال: > "مو ضدك، رِهام. معك. إنتِ الشاهدة الوحيدة اللي نجت… بس نسيت الحقيقة. والآن وقت التذكّر." اقترب منها، ومدّ لها ورقة محترقة نصفها مفقود. كان فيها صورة قديمة لدار الأيتام، وفيها رجل واقف قرب البوابة — والدها. شهقت: > "أبي؟!" > "هو اللي أشعل النار، رِهام. مو خطأ ولا حادث. كان مشروع لدفن أسرار تجارة الأطفال. وكل اللي سكتوا... ماتوا. بس إنتِ، الطفلة الوحيدة اللي هربت قبل ما ينهار المبنى. أبوك خبّاك، وقال: لا تحكي، لا تنسي. بس الصمت هو اللي قتل الكل." كانت الدموع تنهمر على وجهها، وكل شيء داخلها ينهار. > "لا... ما بصدقك... أبي ما ممكن!" > "صدقيني أو لا، بس الحقيقة رح تطلع، والمدينة لازم تدفع الثمن." ثم اختفى كما اعتاد، تاركًا خلفه وردة سوداء محترقة نصفها رماد. --- في اليوم التالي، انتشرت الأخبار: “حريق جديد في مبنى الجريدة – ضحية واحدة.” كانت مديرة التحرير، والوردة السوداء موضوعة على مكتبها. حين وصلت رِهام إلى المكان، رأت الرسالة المعلقة فوق الرماد: > “العدالة ما تحترق… هي تولد من الرماد.” عندها فهمت شيئًا مرعبًا — القاتل لا يريد فقط الانتقام، بل يريدها أن تشارك. أن تصبح صوته. --- في المساء، جلست أمام مرآتها، تنظر إلى وجهها المتعب، العيون المتورمة من قلة النوم، واليد التي لا تتوقف عن الارتجاف. فجأة، رأت خلفها في انعكاس المرآة ظلًا يتحرك. التفتت بسرعة، لكن الغرفة كانت فارغة. وعندما عادت تنظر إلى المرآة، كانت هناك جملة مكتوبة بخط أحمر على الزجاج: > “أنتِ التالية… أو الشاهدة الأخيرة.” ---