الفصل الاول: رائحة الحديد
---
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً، والمدينة ساكنة كأنها ماتت. المطر يتساقط بخفة على الأرصفة الفارغة، والريح تمرّ بين الأبنية كأنها تهمس بأسرارٍ لا يريد أحد سماعها.
في أحد الأزقة المظلمة، كان هناك صوت تنفّس متقطع، أنين ضعيف يخرج من رجل ممدد على الأرض، والدم يسيل من عنقه ببطء كأنه نهر صغير يبحث عن مخرج. بجانبه، وردة سوداء حديثة القطف، تتفتح وسط بركة من الدم.
القاتل لم يهرب.
كان يقف هناك، في الظل، يراقب الضحية حتى توقف عن الحركة.
رفع رأسه نحو السماء، أغمض عينيه، وتنفّس بعمق، كأنه يرتاح أخيرًا بعد انتظار طويل. ثم قال بصوت خافت:
> "عدالة واحدة لكل صرخة لم يُسمع صداها..."
ثم اختفى.
---
في صباح اليوم التالي، كانت رِهام، الصحفية الشابة ذات الشعر الداكن والعينين الحادتين، تمسك كوب القهوة بيد وترتّب أوراقها بالأخرى. كانت قد التحقت حديثًا بجريدة “صوت المدينة”، وهي من النوع الذي لا يهدأ حتى يعرف الحقيقة.
رنّ هاتفها فجأة، وصوت زميلها نادر على الطرف الآخر بدا متوترًا:
> "رِهام، في جريمة جديدة. نفس الطريقة، نفس الوردة."
تجمدت لحظة، ثم قالت وهي تلتقط معطفها:
> "العنوان؟"
> "زقاق الحديد، بجانب الميناء القديم."
لم تكن تعلم أن هذه الجريمة ستغير حياتها للأبد.
---
عندما وصلت، كانت الشرطة تطوّق المكان، والناس يتهامسون بخوف. دخلت رِهام بخطوات حذرة، ترفع الكاميرا وتلتقط صورًا بسرعة، لكن ما شدّ انتباهها لم يكن الجثة، بل الوردة السوداء الموضوعة بعناية عند صدر الضحية.
اقتربت منها ببطء، همست كأنها تكلم نفسها:
> "شو قصّتك؟ ليش الوردة؟"
سمعت صوتًا من خلفها:
> "رمز."
التفتت، كان الشرطي سامي يقف هناك، وجهه شاحب.
قال وهو ينظر إلى الجثة:
> "كل الضحايا إلهم علاقة بحادثة حصلت قبل عشر سنين… الحريق في دار الأيتام."
اتسعت عيناها:
> "الحريق اللي راح فيه خمسة عشر طفل؟ بس قيل وقتها إنه كان حادث..."
هزّ رأسه:
> "مو كل الحقيقة بتنقال للعامة، رِهام."
---
في المساء، جلست في شقتها الصغيرة، تقلب الملفات القديمة. صور الحريق، أسماء الضحايا، والمدير السابق لدار الأيتام الذي اختفى بعد الكارثة…
وفجأة، وقعت عيناها على صورة لفتاة صغيرة من الأيتام، وجهها مليء بالحروق، واسمها مكتوب بخط باهت: ليان.
تحت الصورة، ملاحظة صغيرة بخط يد قديم:
> "آخر من شاهد النار وهي تبتسم."
ارتجف جسدها.
هل يمكن أن تكون ليان على قيد الحياة؟
وإن كانت، فهل هي القاتلة؟
---
في تلك اللحظة بالذات، كان هناك من يراقبها من البناية المقابلة، من خلف نافذة مظلمة.
كان يحمل كاميرا موجّهة نحوها.
عندما انطفأ الضوء في شقتها، قال بصوت خافت:
> "العدّ التنازلي بدأ، رِهام… صمت المدينة لازم ينكسر."
ثم ضغط على زر التسجيل.
---
مع حلول الليل التالي، استيقظت المدينة على صرخة جديدة.
في وسط الساحة العامة، تم العثور على جثة جديدة، مُعلّقة بخيوط حديدية، وعلى الجدار خلفها مكتوبة جملة واحدة بالدم:
> "ليسوا أبرياء."
---
في الصباح، وصلت رِهام إلى المكان، تشعر بأنفاسها تضيق.
بدأت تلاحظ شيئًا مخيفًا: القاتل لا يختار الناس صدفة، بل كأنه يرسل رسائل لها شخصيًا.
أحد الضحايا كان موظفًا في الجريدة نفسها التي تعمل بها، والآخر كان مسؤولًا عن التحقيق في الحريق قبل عشر سنوات.
وقفت وسط الزحام وقالت في نفسها بصوت مرتجف:
> "هو يعرفني... القاتل يعرفني."
رفعت نظرها نحو الأبنية العالية، وكأنها تشعر بعيون تراقبها من بين النوافذ.
كان المطر قد بدأ من جديد، ومع كل قطرة تسقط، كانت تشعر أن المدينة كلها تختنق بالصمت والذنب.
---
في نهاية اليوم، عادت إلى مكتبها، فتحت بريدها الإلكتروني، ووجدت رسالة جديدة من عنوان مجهول.
الموضوع: “حين صمتت المدينة”.
فتحتها…
لم يكن فيها سوى صورة واحدة: وردة سوداء، وتحتها جملة مكتوبة بالدم:
> “الدور عليكِ.”
---