حين يصمت البيت
عاد محمد إلى بيته بعد أسبوعٍ من البقاء في المستشفى.
كان جسده أضعف من ذي قبل، لكن صمته ازداد عمقًا.
كان ينظر إلى الجدران كمن يراها لأول مرة،
كأنها لم تكن جدران بيته، بل جدران سجنه الطويل.
استقبلته ليلى بابتسامةٍ خجولة، وضعت له الطعام، وجلست تراقبه يأكل بصمت.
كان ابناه يلعبان في الزاوية، يضحكان ببراءةٍ لا تعرف شيئًا عن الحزن الذي يخيّم على المكان.
تمنى محمد أن يحتضنهما، لكنه لم يفعل.
كان يشعر أن كل الكلمات قد سقطت من فمه منذ زمن،
وأن أي حركةٍ زائدة قد تُسقط ما تبقّى من توازنه الهشّ.
في الليل، جلست ليلى قربه وقالت بصوتٍ خافت:
– محمد، لقد فكّرت كثيرًا هذه الأيام… ربما كنت قاسية، وربما لم أقدّرك كما يجب.
ابتسم ابتسامةً صغيرة لم تكتمل، وقال بهدوءٍ يشبه الرحيل:
– لا بأس يا ليلى، كلّنا نخطئ حين نظن أن الوقت طويل.
في الصباح، استيقظت ليلى على ضوءٍ خافت يدخل من النافذة،
نظرت إلى السرير… كان فارغًا.
فتّشت في الغرفة، ثم في المطبخ، ثم خرجت إلى فناء البيت،
لكن محمد لم يكن هناك.
وجدت على الطاولة ورقةً صغيرة، بخطٍّ متعبٍ ومرتبك:
> "خرجت أبحث عن نفسي… إن عدت، فسأكون إنسانًا آخر،
وإن لم أعد، فاعلمي أنني سامحت الجميع."
جلسَت في مكانها طويلاً، الورقة بين يديها، والبيت يلفّه صمتٌ ثقيل.
لم يصرخ أحد، لم يحدث شيءٌ كبير، فقط غاب رجلٌ كان صامتًا طوال حياته…
وحين اختفى، صمت البيت فعلاً.
مرت الأيام، ولم يعد محمد.
قال بعض الجيران إنه شوهد على طريقٍ ريفي بعيد، يسير وحيدًا نحو الجبال.
وقال آخرون إنه سافر ليعمل في مدينةٍ أخرى.
لكن ليلى كانت تعرف في قرارة نفسها أنه لن يعود.
كان غيابه نوعًا من الحضور، حضورًا يعلّمها كيف يُسمع الصمت.
ومنذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيءٍ في البيت.
أصبحت ليلى أكثر قربًا من طفليها، أكثر صمتًا وتأملًا،
وأحيانًا كانت تجلس في الليل وتنظر إلى الباب المغلق،
تنتظر أن تسمع خطواته من جديد، ولو في الحلم.
وفي إحدى الليالي، حين خيّم السكون تمامًا،
سمعت في داخلها صوته يقول كما في آخر مرة:
> "حين يصمت البيت… يبدأ الكلام."
فسقطت دمعةٌ دافئة على الورقة القديمة،
وكانت تلك هي المرة الأولى التي شعرت فيها ليلى بمعنى الصمت الحقيقي.