الضوء الأخير
كان يوم العمل طويلًا أكثر من المعتاد.
الحرارة خانقة، والغبار يملأ الورشة كضبابٍ كثيف، والأجساد تعمل بلا توقف كأنها آلات فقدت الإحساس.
كان محمد يضع الجبس على الحائط الأخير، عرقه يتصبب، ويداه ترتجفان من التعب.
قال له زميله يوسف بقلق:
– اجلس قليلًا يا محمد، وجهك شاحب.
أجابه بابتسامةٍ باهتة:
– لا بأس… حين ينتهي هذا الجدار، سأرتاح قليلًا.
لكن الجدار لم يكتمل.
ما إن رفع يده ليضع اللمسة الأخيرة، حتى شعر بدوارٍ شديد، وسقط أرضًا بصوتٍ مكتومٍ وسط الغبار الأبيض.
هرع العمال نحوه، وصاح يوسف:
– محمد! تمسّك بي!
لكنه لم يُجب، كان صامتًا، وعيناه مفتوحتان نحو السقف كمن يبحث عن ضوءٍ بعيد لا يراه أحد سواه.
نُقل إلى المستشفى على عجل، حيث جلس يوسف قرب الباب ينتظر.
مرت ساعاتٌ طويلة قبل أن يخرج الطبيب قائلًا بنبرةٍ رسمية باردة:
– إنها إنهاكٌ شديد وإرهاق متواصل… يحتاج إلى راحةٍ طويلة وعناية.
في المساء، جاءت زوجته ليلى بعد تردّدٍ طويل.
دخلت الغرفة بخطواتٍ خافتة، نظرت إليه ممددًا على السرير، وجهه شاحب ويداه متشققتان كما عهدتهما دائمًا.
جلس يوسف في الزاوية صامتًا يراقب المشهد، بينما اقتربت هي بخجلٍ وكأنها أمام شخصٍ غريب.
قال الطبيب وهو يهمّ بالخروج:
– كان قريبًا من الانهيار الكامل… يبدو أنه يحمل فوق طاقته منذ زمن.
بعد أن غادر الطبيب، جلست ليلى قرب السرير، نظرت إلى ملامحه الهادئة،
لأول مرةٍ لاحظت كم كبر وجهه، وكم شاب شعره بصمت.
لمست يده برفق، وقالت بصوتٍ مرتجف:
– لماذا لم تخبرني أنك متعب إلى هذا الحد؟
لم يُجبها، كانت عيناه مغلقتين، ووجهه ساكن كأنه في عالمٍ آخر.
في تلك الليلة، ظلّت جالسة بجانبه، تتأمل ماضيهما، تتذكّر كم مرّت الأيام وهي غارقة في شاشة الهاتف،
تنسى أن هناك قلبًا كان ينهك نفسه ليبقي هذا البيت قائمًا.
وحين تنفّس بعمقٍ بعد منتصف الليل، بدا كأنه يستعيد بعضًا من قوّته،
تمتم بكلماتٍ لم تسمعها بوضوح، سوى جملةٍ واحدة خرجت من بين شفتيه:
> "أريد فقط بيتًا يسمعني حين أعود…"
تجمّدت الدموع في عينيها، وشعرت بشيءٍ غريب ينهض في داخلها، كأنها تستيقظ للمرة الأولى.