ذاكرة الغياب
استيقظ محمد قبل الفجر، كعادته، على صمتٍ أثقل من الليل.
جلس على حافة السرير، ينظر إلى زوجته النائمة، ثم إلى وجهي طفليه الغافيين.
كان الليل ينسحب ببطء من الغرفة، تاركًا وراءه برودة لا تخصّ الجوّ، بل تخصّ الروح.
مدّ يده إلى جيبه وأخرج ورقة قديمة مهترئة، كانت صورةً له مع والديه في أحد الأعياد القديمة.
تأمّل الصورة طويلًا، ثم تنهد بمرارة.
كان والده يقف متجهمًا، ووالدته تبتسم ابتسامة مصطنعة كأنها تبتسم للكاميرا لا له.
تذكّر طفولته في بيتٍ لم يعرف الدفء يومًا.
تذكّر صوت والده الصارم وهو يوبّخه على كل صغيرة:
> "الرجل لا يبكي، افهم؟ البكاء ضعف!"
وتذكّر أمّه التي كانت تغيب أغلب الوقت في بيت الجيران، أو تنشغل بهمومها الصغيرة، لا تسأل عمّا يشعر به الصبيّ الصامت في الزاوية.
كان محمد يكبر كظلٍّ في بيتٍ مزدحمٍ بالحياة لكنه خالٍ من الحنان.
وحين كبر، خرج إلى العمل مبكرًا، لم ينتظر دعمًا من أحد.
كان يؤمن أن قوّته في صمته، لكن الصمت حين يطول يتحوّل إلى جدارٍ يعزل القلب عن العالم.
في الورشة، كان الناس يرونه هادئًا متوازنًا، لا يعلمون أنّ كل طبقة جبس يضعها بيديه تخفي خلفها طبقة من وجعه.
وكل جدار يبنيه للآخرين، كان يشعر أنه يبني حول نفسه سورًا جديدًا من الوحدة.
تذكّر آخر حديثٍ بينه وبين والده قبل سنوات، حين زاره ليطلب منه المساعدة بعد أن خسر عمله:
– يا أبي، مررت بظروفٍ صعبة… أحتاج إلى بعض الوقت.
فأجابه الأب ببرودٍ قاطع:
– لم أطلب منك يومًا أن تكون مثلي، لكن لا تكن عالة عليّ.
منذ ذلك اليوم، انقطعت الصلة بينهما.
ومع مرور الأيام، بدأ محمد يصدّق أن أحدًا في هذا العالم لن يفهمه، لا أب، لا أم، ولا زوجة.
رفع رأسه إلى السقف، وهمس لنفسه:
> "ربما لم يُخلق لي بيت… بل جدران فقط."
ثم نهض متثاقلًا ليبدأ يومًا جديدًا،
يُعيد فيه الدور نفسه: عملٌ، تعبٌ، وصمت.
وكأن الحياة تعيد نفسها بلا معنى، سوى أن تُذكّره بأنه ما زال موجودًا فقط ليكمل الغياب.