عتمة المساء
عاد محمد إلى بيته مع آخر خيوط الغروب.
كانت الشوارع تودّع النهار بضجيج متعب يشبه أنفاسه، والريح الباردة تلفح وجهه كصفعة تذكّره بأنه ما زال على قيد الحياة.
عندما فتح باب البيت، استقبله الصمت كعادته…
ذلك الصمت الكثيف الذي يخنق أكثر مما يريح.
كانت ليلى تجلس أمام هاتفها في الصالة، ينعكس ضوء الشاشة على وجهها الشاحب، بينما صوت مقطعٍ عابر يملأ المكان.
لم تلتفت حين دخل، كأن حضوره تفصيل عادي لا يستحق الالتفات.
خلع حذاءه بصمت، وضع حقيبته جانبًا، وألقى نظرة على طفليه الصغيرين اللذين كانا نائمين على الأرض بعد أن أنهكهما اللعب.
غطّاهما ببطانية خفيفة، ثم جلس قربهما برهة يتأمل ملامحهما البريئة.
كانت تلك اللحظة القصيرة هي الجزء الوحيد من يومه الذي يمنحه معنى.
قال لزوجته بصوت خافت:
– هل تناول الأطفال العشاء؟
أجابته دون أن ترفع رأسها:
– نعم... قليل من الحليب وبعض الخبز.
– وأنتِ؟
– لست جائعة.
تردّد قليلًا، ثم قال بهدوء:
– ليلى… ألا تشعرين أن البيت صار باردًا؟
رفعت بصرها للحظة، وقالت بلهجة جافة:
– إن كنت تقصد التدفئة، فالفاتورة لم تُدفع بعد.
أطرق رأسه مبتسمًا بأسى، ثم نهض متجهًا إلى غرفته.
لم يكن يقصد البرد في الجوّ، بل البرد الذي تسلّل إلى الأرواح.
في تلك الليلة، تمدّد على فراشه منهكًا، يحدّق في السقف كأنّه ينتظر أن يسقط فوقه فينهي كل شيء.
كان يسمع أنفاس أطفاله في الغرفة المجاورة، وصوت هاتف زوجته لا ينقطع.
أغمض عينيه، وتردّد في داخله سؤال واحد:
> "هل هناك أحد سيسأل عني إن غبت؟"
وفي ذلك الصمت الطويل، شعر أن البيت كلّه يجيبه بلا كلمات…
صمتٌ كثيف، كأن الجدران نفسها فقدت القدرة على الكلام