حين يصمت البيت - حائط من تعب - بقلم محمد سماحي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين يصمت البيت
المؤلف / الكاتب: محمد سماحي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: حائط من تعب

حائط من تعب

كانت الورشة تضجّ بأصوات المطارق والمثاقب، والغبار يملأ الجوّ حتى يكاد يحجب الضوء. وقف محمد وسط ذلك الضجيج صامتًا، يده تعمل، وعقله غارق في أفكاره. في كل ضربة على الجدار كان يسمع صدىً يشبه قلبه: صلبٌ من الخارج، هشٌّ من الداخل. اقترب منه زميله يوسف وهو يضع خوذته على رأسه وقال مبتسمًا: – ما بك يا رجل؟ تعمل كأنك تبني جدارًا بينك وبين الدنيا! أجابه محمد بابتسامة باهتة: – ربما لأن الدنيا هي التي بدأت أولًا ببنائه. ضحك يوسف قليلًا ثم صمت حين رأى التعب في عينيه. في تلك اللحظة، جاء الحاج إبراهيم، صاحب الورشة، يحمل دفتره الصغير ويصيح: – يا محمد، العمل في هذا الجدار بطيء! إن لم تنهِه اليوم فلن أستطيع دفع أجرك كاملًا! انحنى محمد رأسه قائلًا بهدوء: – سأنهيه، لا تقلق. ثم عاد إلى عمله دون جدال، كأنه تعلّم أن الصمت هو اللغة الوحيدة التي لا تُغضب أحدًا. كان الجدار أمامه يكتمل ببطء، وكل طبقة من الجبس تشبه طبقة جديدة من الإرهاق على روحه. مع حلول الظهر، جلس ليستريح قليلًا. فتح خبزه اليابس وشرب جرعة ماء، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال في نفسه: > "يا رب، لا أطلب رزقًا وفيرًا... فقط قلبًا يسمعني حين أعود إلى البيت." عاد إلى العمل، وصوته الداخلي يعلو شيئًا فشيئًا على ضجيج الورشة. حين انتهى المساء، كان الجدار قد اكتمل، لكن محمد أحسّ أن في داخله جدارًا آخر يزداد ارتفاعًا — جدارًا بينه وبين كل من حوله.