حين يصمت البيت - تعب لا يرى - بقلم محمد سماحي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين يصمت البيت
المؤلف / الكاتب: محمد سماحي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: تعب لا يرى

تعب لا يرى

كان الصباح ينهض متثاقلًا، كأن الشمس نفسها تتردّد في إرسال ضوئها نحو نافذة البيت الصغيرة في أطراف المدينة. استيقظ محمد على صوت هاتف زوجته، يرنّ بإشعارات متتابعة، فيما كانت هي مستلقية على فراشها تُقلب الشاشة بملل، غير مكترثة بالمنبّه الذي وضعه لينهض إلى عمله. مدّ يده يبحث عن سرواله الملطّخ ببقايا الجبس، ذاك الذي صار أشبه بزيٍّ يومي لا يفارقه. توجّه نحو المطبخ، فلم يجد سوى بقايا خبز بارد وكأس شاي من الليلة الماضية. اقترب من زوجته وقال بصوتٍ منخفض: – صباح الخير. أجابته دون أن ترفع عينيها عن الهاتف: – الإفطار في المطبخ، خذ ما تريد. ألقى نظرة على أطفاله الصغار النائمين في زاوية الغرفة، وجوههم الغافية تحمل براءة لا تعلم شيئًا عن قسوة الأيام. ابتسم رغم إرهاقه، ثم أغمض عينيه لحظة، كأنه يعتذر لهم عن عجزه عن توفير حياة أفضل. خرج من البيت بخطوات متثاقلة، وأغلق الباب خلفه بهدوء حتى لا يوقظهم. في الطريق إلى الورشة، كان البرد يعضّ أطرافه، والريح تعبث ببقايا الأمل في صدره. تذكّر والديه اللذين لم يتصلا منذ شهور، وتذكّر آخر ما قاله له والده ذات مساء: > "كلّ إنسان مسؤول عن نفسه، لا تكثر من الشكوى." منذ تلك الليلة، لم يعد يشكو لأحد، لكنه لم يتوقف عن الألم. في الشوارع المزدحمة، كانت الوجوه تمرّ مسرعة، لا أحد يلحظ وجعه، ولا أحد يسأل عن رجلٍ يذوب ببطء في زحام الحياة. حين وصل إلى عمله، نظر إلى يديه المتشققتين، ثم تمتم بصوتٍ خافت: > "حتى الجدران التي أبنيها تجد من يزينها… أمّا أنا، فلا أحد يراني." وبينما انهمك في عمله وسط الغبار والضجيج، كان بيته خلفه غارقًا في الصمت… صمتٍ ثقيل، لا يُشبه الراحة، بل يُشبه الغياب.