عودة الظلام
كان الصمت أثقل من الحجارة.
حين فتحت إليرين عينيها، كان كل شيء رماديًا — الهواء، الحجارة، وحتى الضوء.
المكتبة لم تعد كما كانت؛ لم يبقَ منها سوى الأعمدة المائلة والرفوف المحترقة.
رائحة الورق المحترق كانت تختلط برائحة المطر القادم، وكأن السماء نفسها تبكي ما حدث.
جلست بصعوبة وهي تحاول أن تتذكر اللحظات الأخيرة.
القلادة كانت تضيء، والعجوز كان يتحدث عن أريان... ثم الصراخ... ثم العدم.
مدّت يدها تبحث عن القلادة، فوجدتها بين الرماد، ما زالت دافئة كما لو كانت نابضة بالحياة.
وضعتها حول عنقها، وفي اللحظة نفسها، أحاط بها وميض أزرق خافت، كأن القلادة تتنفّس مجددًا.
"أريان..." همست بصوتٍ متعب،
"من أنت حقًا؟ ولماذا أشعر أنني أعرفك منذ زمن؟"
لكن لا إجابة.
فقط الريح تهبّ من بين أطلال الكتب، تردّد اسمها مرارًا كأنها تسخر منها:
"إليرين... إليرين..."
وبينما كانت تحاول النهوض، رأت شيئًا يتحرك في الظلال البعيدة — هيئة بشرية، لكنها لم تكن بشرًا تمامًا.
عينان مضيئتان بالفضة، وجسد شفاف يلمع في العتمة.
تراجعت خطوة، ووضعت يدها على القلادة.
"من هناك؟!"
توقف الكائن للحظة، ثم تقدّم ببطء.
صوته حين تكلّم لم يكن صوتًا واحدًا، بل آلاف الأصوات تتكلم في وقتٍ واحد.
"لا تخافي... لم نأتِ لنؤذيك."
"من أنتم؟"
"نحن الذين تُركنا خلف البوابة… حين أغلقتِها."
شهقت إليرين، تذكّرها الخاطف لما فعله العجوز حين قال إن البوابة لا تُغلق، جعل قلبها يخفق بعنف.
"أنتم... من عالم الظلال؟"
"كنا نورًا، قبل أن يتحول الضوء ضدّنا."
تقدّم الكائن أكثر حتى أصبح أمامها مباشرة، ومع كل خطوة كان الظلام حوله يتراجع قليلاً.
ملامحه بدت أوضح الآن — وجه شاب، يشبه البشر كثيرًا، لكن عينيه لم تخلوا من السواد.
"اسمي سيلان."
ترددت لحظة قبل أن تسأله:
"هل أنت من أرسل الصوت في رأسي؟ الطفل الذي يقول إن الوقت ينفد؟"
ابتسم بخفة، تلك الابتسامة التي تشبه الأسى أكثر من الفرح.
"ذلك ليس أنا... ذلك هو أريان نفسه."
"لكنه طفل!"
"في هذا العالم، نعم. لكنه لم يكن دومًا كذلك. أريان هو نور البوابة، لكنه ضعُف بعد خيانته الكبرى."
"خيانته؟!"
نظر إليها طويلاً، ثم قال بصوتٍ منخفض كأنه يخاف أن يسمعه الهواء:
"كان أخاك."
تراجعت خطوة إلى الوراء، تنفّسها انقطع للحظة.
"ماذا تقول؟! أنا لا أملك إخوة!"
"تظنين ذلك لأنك وُلدتِ من جديد بعد الانقسام. لكن دمك ودمه من أصلٍ واحد. أنتِ النور الذي بُعث، وهو البذرة التي لم تمت في الظلال."
سقطت القلادة من يدها، وأضاءت الأرض بنورٍ أزرق يملأ المكان.
الكتب المحترقة بدأت تتفتت إلى رمادٍ يتحرّك مع الضوء، وكأنها تتذكر شيئًا أيضًا.
"إليرين،" قال سيلان، "الظلال لم تعد نائمة. هناك من فتح أول بوابة في العالم البعيد. إن لم توقفيهم... سيبتلع الظلام كل شيء."
نظرت إليه، وداخلها مزيج من الخوف والحنين والإنكار.
"ولماذا أصدقك؟ ربما أنتم من فتح البوابة أصلاً."
اقترب منها أكثر، حتى أصبحت أنفاسه الباردة على وجهها.
"لأننا مقيدون بها. إن فُتحت، نموت جميعًا — نحن وأنتم."
مرّت لحظة صمتٍ طويلة، لم يُسمع فيها سوى صدى الريح واهتزاز القلادة.
رفعت إليرين رأسها نحو السماء، فرأت الغيوم تدور مجددًا، لكن هذه المرة كانت أبطأ، وكأنها تنتظر قرارها.
"أين أجد البوابة؟"
ارتسمت على وجه سيلان ابتسامة خفيفة، وامتد الضوء الفضيّ في عينيه كوميض برقٍ بعيد.
"في المكان الذي بدأ منه كل شيء... في مدينة المرايا المنسية."
ثم بدأ جسده يتلاشى تدريجيًا حتى لم يبقَ منه سوى صدى صوته:
"تذكّري، إليرين... لا تثقي بالضوء أكثر من الظلال. كلاهما يعرف كيف يخون."
وقفت وحدها، تحمل القلادة بين يديها، والنور يتقاطع مع الدخان في مشهدٍ غريب كأن العالمين يتداخلان للحظة.
همست بصوتٍ مبحوحٍ مليءٍ بالعزم والارتباك:
"مدينة المرايا... إذًا البداية هناك."
وفي الأفق، بعيدًا عن الخراب، ظهر وهج ذهبي ضعيف، كأنه وعدٌ أو تحذير — لا أحد يعلم.