الفصل 17
في المساء، و بعد أن غادر الجميع متجهين إلى المطار، ساد هدوء غريب أرجاء المنزل.
كانت شيماء في غرفتها تستعد لامتحانها، بينما جلست ليورا على الأريكة في غرفة الجلوس تشاهد فيلمًا بشيء من الاندماج. لكن عندما اقترب بطلي الفيلم من بعضهما في قبلة طويلة ، ارتبك تنفسها، و وجدت عقلها رغمًا عنها يفكر به
هزّت رأسها محاولة طرد الفكرة، ثم نهضت من مكانها متجهة نحو ممر الغرف.
توقّفت أمام غرفته. كان الباب مغلقًا ترددت لثوانٍ طويلة، ثم طرقت الباب طرقًا خفيفًا. لم يجبها أحد.
همست لنفسها:
"ربما خرج..."
وضعت يدها على المقبض و فتحته بهدوء، دخلت لتتأكد. لكن ما إن أغلقت الباب خلفها حتى فُتح باب الحمام، و خرج هو، قطرات الماء لا تزال تنزلق على شعره، و المناشف تلتف حول خصره.
تجمدت في مكانها كأن الزمن توقف، استدارت بسرعة و الحرارة تملأ وجهها، تلعثمت و هي تقول بصوتٍ مرتجف:
"آسفة... لم أكن أعلم أنك..."
صمت لبرهة، لم يتحرك، فقط نظر إليها بنظرة يصعب تفسيرها، خليط من الدهشة و الفضول و الجمود.
ثم تقدّم خطوة واحدة نحوها، حتى كاد صوته يلامس أذنها:
"ماذا تفعلين هنا يا ليورا؟ ألم يقل لك والدي أن تبقي بعيدة عن غرفتي؟"
ترددت، ثم قالت و هي تلتقط أنفاسها:
"كنت فقط... أردت أن أرى إن كنت تحتاج شيئًا."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لا تُفهم، نظر إليها بحدة و قال بنبرة هادئة لكنها محمّلة بما لا يُقال:
"أنا لا أحتاج شيئًا... إلا أن تشرحي لي لما أنتي هنا فعلًا."
لم تعرف ما تقول، فقط همست:
"ربما كنت مخطئة بالمجيء.. ساغادر..."
لكنها حين حاولت الانسحاب من المكان، رفع يده، و أمسك بذراعها برفقٍ شدّها بعنف رقيق من خصرها، سحبها إليه كأنما يسحب روحَه التي ضاعت منه. التقت عيناهما في صمت ثقيل، صمتٌ فاض بالشوق و التحذير معاً. قبل أن يحملها، سكن صوته الأجشّ في أذنيها كأمرٍ لا يُرد:
"كان عليكي أن تحسبي خطواتك جيداً قبل الدخول... فضولك هو السبب لما سيحدث."
حملها متوجهاً إلى السرير، لم تكن قوة الحمل سوى تأكيد لملكِيته للحظة. ألقاها بنعومة مدروسة فوق الفراش، حرص على ألا يؤذيها، فقلبه لا يطيق أن يلمسها بسوء.
اقترب منها، و هي تنسحب برغبة خفية و خوف واضح. لم يمهلها فرصة للتراجع، قيدها بأطراف أصابعه ثم انحنى يمتلك شفتيها في قبلةٍ مزّقت حاجز الصمت.
ببطء، لم تعد يدها ترفضه. تحول الرفض إلى استسلام حلو. تجاوبت معه، انصهرت في تلك اللحظة التي طال انتظارها. رفعت ذراعيها لتعانق رقبته، تبادلت معه القبلة بشغف أعمق، مُعلنةً الهدنة بين عقلها و نداء جسدها.
تحركت يده بمهارة فوق قماش سترتها السميك، بدأت في تحريرها منه. غاص بوجهه عند منحنى رقبتها، يقبّلها بشغف مُحرِق، يترك وراءه أثراً من الحرارة و الأَنفاس اللاهثة.
استمرت اللحظات، ثقيلة، حارقة، مليئة بالهمسات المكتومة. حتى جاء صوتها متهدجاً و كأنه صادر من حلم بعيد:
"يعقوب! كفى... أرجوك."
لم يسمع النداء، أو ربما سمعه و تجاهله بقوة مدفوعة بجنون اللحظة. لم يكن يصدق أن جسدها تحت رحمته، يُبادله الشغف، لم يستطع أن يفكر بشيء سوى هذا الجنون الذي انتظره طويلاً. لم يتوقف... حتى شعر بـثقل جسدها يرتخي فجأة بين ذراعيه، كأن قواها قد خارت.
نظر إليها بذعر سريع. كانت عيناها مغمضتين، لا حراك فيها. وضع يده يطبطب على خدها بخفة محذرة:
"ليورا... ليورا؟".
فتحت عينيها ببطء شديد، نظرت إليه بنظرة لم تكن خوفاً، بل كانت مزيجاً من الإرهاق العاطفي و الرجاء الصادق. صدر صوتها الآن همساً مكسوراً بالكاد سُمع:
"يكفي يعقوب... يكفي، أتوسل إليك."
أفلتها من قبضته كمن سُلبت منه روحه للتو. تراجع جسده قليلاً، لكن عينيه لم تفارق وجهها. أدرك فجأةً أنه قد عبر الحدود التي رسمتها كلمات الرجاء المنهكة. لم يكن استسلامها الأخير استمتاعاً، بل كان إذعاناً لجبروته هو، و إنهاكاً لقوتها هي. همس صوته بتأنيب ذاتي و حنان لم يكن ينوي إخراجه:
"أنا آسف... ليورا. أنا آسف عزيزتي."
مال عليها، لا بقوة الشغف، بل بـخفّة الطمأنينة. زرع قبلة بطيئة جداً، مُطوّلة، على جبهتها المتعرقة، و كأنها ختم عهد بأنه سيتوقف الآن، لكنه لن يتراجع أبداً عن رغبته بها.
مرّر إبهامه برقة على شفتيها المنتفختين من القبلات، و نظر في عينيها اللتين غلب عليهما النعاس و الإنهاك، محاولاً أن يقرأ ما وراءهما. عانقها يعقوب بقوة، ضماً خالياً من الرغبة الجسدية، و مليئاً بـالاحتواء و الحماية، كأنه يعيد تجميع روحها المبعثرة. وضع ذقنه على رأسها، و أطلق نفساً طويلاً كمن انتصر في معركة خاسرة.
كانت هي تتنفس بمعدل هادئ، يرتفع و ينخفض مع كل شهيق و زفير، و قد استنزف الشغف كل قواها. دفنها التعب في دفء أحضانه، رأسها مستسلم على صدره العاري. لم تحاول مقاومة النعاس، بل غرقت فيه كغريق وجد طوق نجاة، و نامت مستسلمة بين ذراعيه.
أما يعقوب، فلم يذق للنوم طعماً. ظلّ ساهراً يتأملها في ضوء الفجر الخافت المتسلل من النافذة. كان يتفحص ملامحها، كمن يخشى أن تكون لحظة عابرة أو حُلماً سينتهي بفتح عينيه. كانت هي، بضعفها المفاجئ، أقوى اعتراف بجنون تلك الليلة.
مع تبدّل لون السماء، استيقظت ليورا. وجدت عيني يعقوب تنتظران يقظتها، تراقبانها بـصمت متملّك. لم يكد يقترب ليقطف قبلة صباح، حتى انتفضت بحدة، زاحفةً للطرف الآخر من الفراش. كان الغضب البارد يشعّ من عينيها، يطفئ حرارة الليل كله.
"لا تقترب."
قال يعقوب، بنبرة صريحة لا تعرف الزيف، و قد أدرك أن ثمن جنونه قد حان:
"أنا آسف. لم أقصد أبداً أن أقسو عليكي."
ردّت ليورا بصوت متماسك، لكنه يخفي رجفة قوية: "عليك أن تكون آسفاً حقاً. لقد ظننتُ للحظة أنك تنوي قتلي بين يديك."
اشتدّ قبضته على حافة الملاءة، يحاول امتصاص اتهامها الثقيل:
"لم أقصد ذلك، صدقيني. ما حدث كان أقوى مني، ليورا."
"ابتعد."
نطقتها و هي تبتعد أكثر. لكنه كان أسرع. عاد يجذبها إلى حضنه بالقوة، متجاهلاً مقاومتها الخجولة. صوته أصبح حاداً كحد السيف، يحمل تهديداً مخيفاً:
"ليورا... لا تختبري صبري. لا تعانديني لكي لا أضطر إلى إعادة أحداث البارحة من جديد بكل تفاصيلها."
توقفت ليورا عن المعاندة فوراً. لم يكن التهديد جسدياً بقدر ما كان نفسياً، أدركت أن قسوة رغبته تفوق قوتها. استسلمت، و ارتخت بين ذراعيه. وضعت يدها على صدره العاري، تحرّكها فوق نبضات قلبه السريعة دون كلام. رفعت عينيها إليه أخيراً، و سألته السؤال الذي كان يلتهمها من الداخل، سؤال يزن ثقل الذنب كله:
"هل ما فعلناه يسمى زنى؟"
نظر إليها ببرود غريب و مفاجئ، برود لم تفهم له معنى. قالها بكلمة واحدة لا تقبل التأويل:
"نعم."
تشنجت ليورا. شعرت أن الأرض تميد بها. "زانية." رنّت الكلمة في رأسها، تكسر كل ما بنته تلك الليلة. شعرت بالندم يتسرّب إليها على تسرعها الجنوني. عليها أن تنهي هذا التوتر فوراً.
غيرت الموضوع بتوتر واضح، بصوت يفتقر إلى الحسم: "سأعود إلى أمريكا بعد يومين."
كان يعقوب يرتشف بهدوء من فنجان قهوة وهمي، يتمتع بعودتها القسرية إلى حضنه، إلى أن سمع ما قالته. تجمّد جسده بالكامل، توقفت أنفاسه لثانية واحدة.
"ماذا؟"
جاء صوته مصدوماً، كأنها أعلنت نهاية العالم. حاولت هي الشرح بتبرير هزيل:
"يجب عليّ المغادرة. عطلتي..."
قاطعها بصيحة غضب:
"يجب عليكي؟"
"نعم، عطلتي ستنتهي، و عليّ العودة إلى عملي. و عدا عن ذلك، أمي تنتظرني."
نهض يعقوب عن الفراش، لا يبالي بكونه شبه عارٍ. تحوّلت صدمته إلى غضب عاصف:
"ستتركينني و تذهبين؟"
نظرت إليه، تحاول تهدئته:
"سأعود لأزوركم."
ضحك يعقوب بتهكم مرير:
"آه، حقاً. ستزوريننا مرة أو مرتين في السنة، كما يفعل الغرباء!"
جاء صوتها محاولاً تبرير حياة كاملة:
"لا أستطيع أن أبقى هنا، يعقوب. كل شيء يتعلق بي هناك. لا أتخيل حياتي مقيدة بين هذه الجدران..."
لم ينتظر ليكمل كلمتها. كان الغضب قد وصل إلى ذروته. التقط قميصه و رماه على جسده، ثم اندفع نحو الباب.
غادر يعقوب، أغلق الباب خلفه بقوة هائلة، اهتزّت لها الأجسام و الأرواح داخل الغرفة، تاركاً ليورا وحدها بين حطام الشغف، و ندم الخطيئة، و مرارة الفراق المحتوم