الصاعقة !!
نام الغراب لبضع ساعات ، فتح عينيه و وجد على المائدة ابريق شاي و بعض الرغيف و الحلويات الشهية ، لا يمكن أن يكون هذا من إعداد ياقوت ، لقد قضى عمره برفقتها و لم تطعمه طعاما مثل هذا ، حتى في أحسن أحوالها لم تحاول أن تطعمه غير الخبز . ربما رحمة علمت بقدومه فأحضرت هذا !! ابتسم الغراب و بدأ يأكل بشهية كبيرة و سعادة غامرة لكن سعادته لم تدم طويلا . دخلت ياقوت و معها سعاد ، جارتهم و صديقة ياقوت المقربة ، نظرت لعيسى و ابتسمت في وجهه و تمنت له شهية طيبة كما أخبرته أنها هي من أحضرت له ذلك حينما علمت بقدومه . المشكلة لا تكمن هنا ، تمنى أن تكون رحمة صاحبة المبادرة ، ظن أن الرغيف لذيذ لأنه عجن بحب و طهي بعشق و حبيبته قد أعدته لأجله ، لكن لا يحزنه أن جارتهم الطيبة هذه هي من قامت بإعداده . ما سيحزنه هو الصاعقة التي التي ستسعقه قريبا ، مصيبة بل كارثة جاءت بمعية سعاد التي لم تكتف بإحضار الرغيف و الحلويات ؛ بل أحضرت أيضا خبرا جعل عيسى لا يقوى على ابتلاع الحلوى، بل لم يعد يقوى على ابتلاع ريقه !!!!
بينما الغراب يأكل في سلام و يتلذذ طعم الرغيف الشهي و يتجرع الشاي المعطر ، كانت سعاد تسرد أخبارا لم يكن الغراب ليلقي لها بالا لولا تردد اسم " رحمة " بين ألفاظ الحوار الدراماتيكي الذي كان يدور في بيته :
سعاد : لم أكن أظنها ستفعل مثل هذا يوما !!
ياقوت : نعم يا أختي ، كنت اراها مهذبة و رزينة !!
سعاد : عندما علم أخوها خبر حملها كان سيقتلها لو لم تفر في الوقت المناسب و تذهب عند خالتها في المدينة !!
ياقوت : من كان يقول أن رحمة ستفعل هذا !! أتساءل من يكون هذا الحقير الذي فعل بها هذا ؟! لكن أيا من يكون أحييه لأنه فضح ذلك الحقير " رضوان " !!
هنا سعق الغراب المسكين ، لقد أدرك أخيرا مجرى القصة و من هي بطلتها ، صوت في رأسه يصيح بصوت عال و فظيع " رحمة حامل !! رحمة حامل !!" تذكر تلك الليلة ، سقط الكأس من يده ، يا إلهي !! لا يمكن حدوث هذا !! إنها كارثة !! لقد دمرت حياتها و حياتي أيضا ! لقد علمت أن القصة لن تنتهي بتلك البساطة ! علمت أن شيئا ما سيحدث و النهاية لن تكون سعيدة ! يا إلهي كيف تجرأت على فعل ذلك ؟؟ كان علي التراجع !! كان علي التراجع !! هكذا أصبح رأس عيسى ، ساحة تتعارك فيها الأفكار و تتضارب فيها الأسئلة و الإحتمالات ، لمذا فعلت و مذا سأفعل ؟؟ مذا لو لم أفعل ؟؟ عتابات و توبيخات و حرب في رأس المسكين عيسى تقام !!!
إن علم أحد أن عيسى صاحب الفعلة فسيكون في ورطة كبيرة !!
خرج بسرعة وسط اندهاش ياقوت و صديقتها ، توجه صوب ميلود ، طلب سجارة و ولاعة و بدأ رحلة التدخين المستمر مجددا !! إنه الدواء الوحيد الذي يراه مناسبا ليخفف عنه هذا الألم الذي أصاب رأسه ... لو علم أنه سيجد خبرا كهذا لما أتى ، كيف يمكن أن يكون هذا حقيقي ، رحمة حامل ، هربت من البيت ، الغراب فعل هذا و تجرأ على تدمير حياة السمراء و عائلتها و جعلهم موضوع مجالس أهل الحي ، مذا سيحصل عندما يعلم أخوها المجرم الذي يهابه الكل ، سيذبح الغراب لا محالة !! أبوها القاسي الحقير سيجعله يقضي سنينا من عمره بين القضبان الحديدية و ظلمة السجون !! مذا ستفعل أمها الطيبة التي سخرت كل جهودها لتستعيد ياقوت صحتها و وقفت معها في أصعب الظروف ، مذا ستفعل حينما تعلم أن ابن الحي الهادئ المطيع هو من انتهك حرمتهم و شتت شملهم و ذهب بشرف ابنتها الوحيدة التي كانت ترجو لها مستقبلا زاهرا ؟! هكذا كانت تتقاطر الأفكار و التساؤلات على رأس الغراب و كأن أحدهم يذوب الجلد و يجعله يتقاطر فوق رأسه !!
كان الغراب قد بدأ حياة جديدة هادئة ، ودع الضجيح و المشاكل و قطع حبل الوصل مع السجائر، ها هو يعود مجددا لما قبل الصفر ، مشكلة عظيمة بل كارثة حلت ضيفة ثقيلة على عيسى الذي ندم على اليوم الذي فتح فيه الباب لرحمة التي اختارت فعل شيء قلب حياتها رأسا على عقب و سيقلب حياة عيسى أيضا !!
يتساءل الغراب مذا عليه أن يفعل الآن ؟ هل عليه تركها و شأنها ، في الأصل هي من بادرت لفعل ذلك ، هي من عليها تحمل مسؤولية فعلها الشنيع ، لكن الحقيقة ستظهر عاجلا أم آجلا ، و الكل سيعلم أن ابن ياقوت اعتدى على محبوبة الحي و تركها تحارب الويلات وحدها ؛ علاوة على هذا هو يحبها و الذي ببطنها ابنه ، لن يسمح لنفسه بالتخلي عنها ، أفكار كثيرة تروج في رأس الغراب و التدخين هو الإجراء الوحيد الذي يستطيع عيسى القيام به الآن إلى غاية أن يجد حلا لمصيبته !!!