ماضٍ مُظلِم - الفصل 16 - بقلم ســوريــــا - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ماضٍ مُظلِم
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 16

الفصل 16

كانت تسير في الممر بخطواتٍ هادئة متجهة إلى غرفتها، الجو ساكن و الليل يبتلع أصوات القصر الكبيرة. لكنها توقفت فجأة عندما مرّت بجانب غرفته، سمعت صوته من الداخل، منخفضًا كأنه يتحدث مع أحدٍ عبر الهاتف. ترددت للحظة، ثم قادها فضولها لتقترب أكثر، انحنت قليلًا لتستمع… لكن ما لم تعلمه أن يعقوب قد لاحظ ظلًّا خفيفًا انعكس أسفل باب غرفته. رفع نظره نحو الباب بخفة، و صوته ظلّ طبيعيًا و هو يتكلم، حتى لا تشك من تقف هناك بأنه انتبه لها. اقترب بخطواتٍ هادئة، و بحركةٍ مفاجئة فتح الباب بقوة، لتتفاجأ هي و تنتفض في مكانها. مدّ يده بسرعة، سحبها إلى الداخل، و أغلق الباب خلفها بإحكام بينما يقول للطرف الآخر عبر الهاتف بنبرةٍ ثابتة: "سأرسل الملف إلى مكتبك غدًا... انتظر وصوله." كادت أن تتحرك للخارج لكنها تجمّدت حين أمسك ذراعها بقوة. أنهى المكالمة، أنزل الهاتف ببطء، و التفت نحوها. كانت عيناها تلمعان بارتباكٍ و خوفٍ خفيف، شفتيها ترتجفان كأنها على وشك البكاء. قال بنبرةٍ باردة لكنها تحمل تهديدًا خفيًا: "ما الذي يجعلك تتنصتين علي؟" لم تجب، كانت نظراتها تهرب منه فاقترب أكثر و قال و هو يحدق في عينيها: "أحيانًا تجبرينني أن أشك أنك جاسوسة." تحركت بخطوةٍ لتبتعد، لكنه ثبتها على الحائط، يداه تحاصرها، صوته انخفض و هو يقول: "لن تخرجي قبل أن تجيبي على سؤالي." صمت لوهلة، نظراته تتفحص ملامحها المرتجفة، ثم قال بابتسامة جانبية: "و إن لم تجيبي... فوجودك هنا لا يزعجني إطلاقًا." قالت بترددٍ وصوتٍ خافت: "كان مجرد فضول..." اقترب منها أكثر، حتى صار صوته عند أذنها تمامًا، همس بابتسامةٍ خبيثة: "حبيبتي فضولية إذًا؟" شعرت بأنفاسه تلامس عنقها، فابتعدت بسرعة و هي تهمس بانفعال: "يجب أن أذهب... ابتعد." ضحك بخفة و قال بملاعبةٍ خطيرة: "أ يجب عليكي ذلك؟" اقترب خطوة أخرى حتى صار فمه أمام فمها تمامًا، أنفاسهما تتداخل، قلبها يخفق بعنف و هي تهمس: "دعني أخرج قبل أن يعلم أحد أني في غرفتك." رفع حاجبه و قال بهدوءٍ يثير الجنون: "و ماذا لو علموا؟ هذه ليست المرة الأولى التي تدخلي فيها هنا." دفعته بغضب و قالت بصوتٍ مرتجف: "أخبرتك أن تبتعد! ألا تفهم؟!" ثم فتحت الباب بسرعة و خرجت، خطواتها متوترة، أنفاسها مضطربة، و ما إن سارت بضع خطوات حتى سمعت صوت عمها أيمن يصرخ: "ليورا! توقفي!" تجمدت مكانها، نظرت إليه بصدمةٍ بينما اقترب منها بخطواتٍ غاضبة و قال: "ماذا كنتي تفعلين في غرفة يعقوب؟" تلعثمت، نظراتها تتنقل بين وجهه و الباب، لم تستطع الكلام. تجاوزها أيمن و دخل الغرفة بخطواتٍ حادة، نظر إلى يعقوب الذي كان يقف ببرودٍ واضح. صرخ أيمن بانفعال: "يعقوب! ما الذي كنت تفعله مع ليورا لوحدكما؟" قال يعقوب بسخريةٍ ثقيلة، و ابتسامةٍ جانبية باردة: "و ماذا يمكن أن يفعل اثنان لوحدهما يا ابي؟" اقترب أيمن منه غاضبًا، صوته حاد: "يعقوب، أنا أتحدث بجدية! لما كانت ابنة عمك عندك؟" أجابه ببرودٍ متعمد: "أنت بنفسك قلت إنها ابنة عمي، هل أصبح ممنوعا أن نتحدث وحدنا؟" اقترب أيمن منه أكثر، صوته صار منخفضًا لكن نبرته مهددة: "اياك يا يعقوب ان تؤذيها... أعلم جيدًا أنك لا تقترب من النساء عادة، فلماذا تقترب منها الآن؟ لا تقل لي إنكما كنتما تتحدثان فقط... أحذّرك، ابنة أخي لا تلمسها." تحرك أيمن بخطواتٍ غاضبة خارج الغرفة، و عندما وصل إلى الباب أمسك بيد ليورا، كانت لا تزال واقفة مكانها، وجهها شاحب و نظراتها تائهة. جرّها معه دون أن يتحدث، أما هي، فالتفتت نحوه للحظة، نظرت إلى يعقوب الذي كان واقفًا في مكانه، يبتسم بهدوءٍ و كأنه لم يفعل شيئًا. مرّ يومان دون أيّ أحداث تُذكر، لكنّ عقلها لم يعرف السكون. كانت تفكّر به أغلب الوقت دون ملل، تتساءل عمّا يفعله، و كيف يقضي يومه، و إن كان يفكّر بها كما تفعل هي. كلّما حاولت إقناع نفسها بأنّ ما تشعر به مؤقّت، تعود لتجد عقلها يذكرها بما حدث بينهم في صباحٍ هادئ، اجتمعوا جميعًا على مائدة الفطور، و بينما كانت تحرّك الملعقة في كوبها دون اهتمام، سمعته يقول بصوته الهادئ: "سنساافر إلى تركيا ليومين فقط... جدكم يحتضر، و يجب أن نودّعه." ساد الصمت لوهلة، ثم قال عُدي إنه سيذهب معه، و أبدى عمر و ميساء نفس القرار. أما شيماء فكانت مريضة منذ أسبوع، و لذلك كان عليها أن تذهب غدًا لتقديم امتحانها النهائي مع جميع من تغيّبوا عنه. بقيت هي صامتة تتابع الحديث و كانه لا يعنيها و عندما قال أيمن بهدوء: "يعقوب، ستبقى هنا مع أختك و ليورا... لا أظن أن الأمر سيُزعجك." رفع يعقوب نظره نحوه، ثم قال بلا مبالاة واضحة: "ليس لدي أيّ مشكلة." لكنّ عينيه انتقلت نحوها لوهلة، نظرة سريعة و عميقة، كأنها تحمل شيئًا لم يُقال بعد. خفضت عينيها فورًا، و ارتجف قلبها دون سببٍ مفهوم، وقف أيمن من على المائدة و توجّه إلى غرفته بهدوء، فتح الباب فوجد ضحى جالسة على الأرض، و دموعها تنهمر بصمت و هي تجمع أغراضها مع أغراضه داخل حقيبتين كبيرتين. اقترب منها ببطء و قال بصوت خافت: "لا تبكي يا ضحى... لكي يومان مع والدك و سنعود." رفعت رأسها نحوه و ابتسمت بخفوت، ثم قالت و هي تمسح دموعها: "أعرف... لكنّ فكرة أن نذهب لوداع أبي تؤلمني أكثر من أيّ شيء آخر." جلس أيمن بجانبها و وضع يده على كتفها قائلاً بهدوء: "الموت سنة الحياة يا ضحى... لكننا سنتجاوز كلّ شيء كما اعتدنا." في الخارج، تحرّك الجميع إلى غرفهم استعدادًا للسفر. كان عُدي يبحث عن جوازه و هو يتمتم بانزعاج، فيما ساعدت شيماء ميساء على ترتيب حقيبتها الصغيرة. أمّا ليورا فكانت معهم تجلس لتودّع ميساء قبل رحيلها، جلسو شيماء و ليورا على السرير تتحدثان و تضحكان محاولةً كسر جوّ الحزن الذي خيّم على المنزل. قالت ميساء و هي تغلق حقيبتها: "أتمنّى أن تنجحي بالامتحان يا شيماء، و لا تقلقي علينا." ابتسمت شيماء قائلة: "المهم أن تعودوا بالسلامة... سلّموا لي على خالي زياد، و اسألوا عن حاله."