الفصل الثالث
الفصل الثالث: اختبار الظلال
بعد يوم طويل من العمل الشاق في الحي، ركض أرطغرل نحو سيارته القديمة، حيث كان صديقه المقرب ألب، السائق الخاص لكمال باشا، ينتظره بابتسامة خفيفة.
"استعد، اليوم ستدخل عالمًا لم تره من قبل"، قال ألب وهو يقود السيارة بسرعة بين شوارع إسطنبول المزدحمة.
أرطغرل، متعبًا لكنه متحمس، لم يستطع إلا أن يتأمل المباني العالية والطرقات النظيفة، وكل شيء مختلف عن حيّه الفقير. قلبه كان ينبض بسرعة، لم يكن يعرف ما ينتظره في القصر الكبير.
وعندما وصلوا إلى بوابة القصر، شعرت الأرصفة والحدائق الواسعة بالعظمة والفخامة. استقبلهم رشاد، نائب كمال باشا، بحذر، بينما كانت سحر المساعدة الشخصية تراقبهم من بعيد.
دخل أرطغرل القصر، ونظراته تتنقل بين الغرف المزخرفة والمرايا الكبيرة، حتى وصل إلى الغرفة التي فيها كمال باشا وبناته الثلاثة.
"مرحبًا، أرطغرل…" قال كمال باشا بصوت هادئ لكنه قوي، عيناه تبحثان في وجه الشاب الجديد.
كانت ليلى ونور ومريم يقفن خلف أبيهن، يراقبن الشاب بحذر، كما لو كن يعرفن أن عالمهن على وشك التغيير.
لم يمضِ لحظات قليلة حتى سمع الجميع صوت صراخ خارجي، وزجاج يتحطم، وأقدام تهرول. رجال مظلمون يحملون أسلحة دخلوا الحديقة، محاولين الوصول إلى كمال باشا وقتله.
تجمد الجميع للحظة، ولكن أرطغرل لم يفكر ثانية. غريزته في البقاء والجرأة التي تعود عليها من حيّه الفقير تولدت بشكل فوري. قفز إلى الأمام، استخدم كل ما تعلمه من مهارات الحركة والذكاء، وأمسك بسلاح قريب، وأوقف أحد المهاجمين قبل أن يقترب من الباشا.
الصراع كان سريعًا، وكل ضربة أرطغرل كانت محسوبة. الشجاعة التي أظهرها جعلت الرجال يتراجعون، بينما كمال باشا، مذهولًا، كان يراقبه بعينين متسعتين.
عندما هدأت الأمور، اقترب الباشا من أرطغرل وهو يمسح عن وجهه العرق، وقال بصوت هادئ لكنه ملئ بالاحترام:
"أرطغرل… أنت لم تحمِني فقط، بل أثبت أنك قوي وذكي… ربما… ربما أنت الشخص الذي كنت أبحث عنه كوارث."
أرطغرل نظر إليه بدهشة، لم يكن يتوقع أن يكون هذا اليوم بداية لتغيير حياته بالكامل.
وفي صمت القصر بعد العاصفة، جلس كمال باشا على أريكته مرة أخرى، عينيه تبحثان في السماء كما لو كان يزن كل شيء في قلبه: هل يكون هذا الشاب الفقير، الذي جاء بعد يوم شاق من العمل، وريثه المستقبلي؟
بناته الثلاثة، رغم صدمتهن، شعرتن بشيء مختلف، شيء جديد يقترب من حياتهن، شيء قد يغير مسار العائلة إلى الأبد.
وهكذا، بدأ أرطغرل رحلته في عالم كمال باشا المظلم، حيث الشجاعة، الولاء، والخطر تتشابك لتكتب أولى فصول إرثه الجديد.