الفصل 53
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
فتحت النافذة على الصبح، والنسيم العليل يداعب شعرها بخفّة.
هي تحب الصباح يوم يكون نقي هكذا…
وصوت التلاوة يملأ غرفتها:
> ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾
كانت تجوّد الآية بصوت هادي، رخيم…
صوت يشبه الماء لما ينساب على صخر متعب ويهديه.
أغمضت عينيها وهي تردد:
اللهم نورًا، يا ربّ نورًا…
تنفست الهواء بعمق…
لكن البرد باغتها فجأة.
ضحكت وهي تركض للداخل، تحضن كتوفها وتقول لنفسها بنبرة مدلّلة:
"برددد… يا ويلي عليك بس."
دُق باب غرفتها بخفوت.
همست وهي ترتّب خصل شعرها:
"تفضّل…"
دخلت أمها…
امرأة بملامح راقية، وبلكنة فرنسية واضحة وهي تقول:
"Bonjour ma petite, quel beau matin pour toi… sous la récitation de la lumière."
صباح الخير صغيرتي، يا له من صباح جميل تحت آيات النور.
ضحكت هي بخفة وردّت بلهجة سعودية ناعمة:
"تعرفيني يا يمّه… أموت أنا على صباح زي كذا."
ابتسمت الأم، واقتربت تلمس خدّها، وقالت بلغتها الأم:
"J'aimerais que tu respires encore l’air de ton pays… tu lui manques, et je le sais."
أتمنى أن تعودي تستنشقين هواء بلدك… أنت تشتاقين له، وأنا أعلم ذلك.
سكتت قليلاً…
وكأن الكلام مرّ على قلبها مثل نسمة دافئة.
كانت ملامحها…
لا تحتاج وصف كثيرا....
هي كلها حُسن هادئ لا يتكلّف.
شعر بنّي انساب على كتفها مثل ليل خجول،
وعيون بلون قهوة دافئة قبل لا تبرد،
رموش طويلة كأنها ظلّ ورد،
وخدود ورديّة تلمع إذا ضحكت،
فم صغير ناعم… كرزتين جالسين على صفحة نور.
همست وهي تحتضن أمها:
"لنا موعد يمّه… والله لنا موعد نرجع… بإذن الله."
… … …
.
.
.
.
.
.
.
رن الهاتف.
مرة…
مرّتين…
سبعة.
ولا جواب.
كان واقف، عيونه على الشاشة…
لكن عقله ليس هنا.
بيده جهاز ثاني…
والرنين فيه جاء بحجم صاعقة.
ردّ بتشتت:
"ألو؟"
وسكت.
تجمّد مكانه.
الدم انسحب من وجهه.
والأرض حسّها تميد تحته.
… … …
.
.
.
.
.
أما هي.......
كانت تنتظر اتصال فؤاد.
توترها كان واضح حتى في تنفّسها.
وضعت يدها على صدرها وتنهدت:
"يا رب…"
قامت توضّأت…
صلّت ركعتين…
وقال قلبها:
اللهم لطفك فيما لا نعلم.
… … …
.
.
.
.
.
.
.
.
في المجلس
الأصوات عالية…
والرجال مجتمعين.
سعد ضرب الطاولة بنبرة منتفخة:
"والله وأنا ابن عمها… وأحق فيها من غيري.
ولو إنّي متزوّج ثلاث… هي بتصير الرابعة.
بس الرجال ما يعيبه شي!
وبدلّلها بعد… لأنها أصغرهم.....يتخي ترجعلي شبابي ."
الكلمات كانت كبر أكثر من كونها رغبة.
بعض الرجال هزّوا رؤوسهم بإعجاب.
تكلم أبو أنس بفخر:
"والنِعْم فيك ياسعد…
والله إنك كفو…
ولو ما وافقت… هبّ لك بنتي.
هذا…"
ولم يكمل …
ضربة قوية على الطاولة
أسكتت كل الأصوات.
وقف …
الساكن دائماً…
الذي إذا تكلم انتهت كل الحكايات.
رفع عيونه على سعد وقال:
"والله… والله… والله…
إنّها ما هيب له.
ولا بياخذها.
عيب عليك، ثلاث نساء تعيشهم حياة ما ترضي الله… ولا تبي الرابعة عشان ترضي شهواتك الذكورية...
والناس تعرفك… بخيل… لا حقير ونذل بعد..
وهمّك حريم وفلوس وسهر."
كان كلام يفضح ولكنه من قلب غاضب
سعد وقف من هول الصدمة …
غضب... صدمة … احراج
لكن صرخة قاطعة هدمته:
"اسكت.
لا تتكلم…
أنت مكشوف."
التفت الرجل على أبو أنس وقال بحدة موجعة:
"وبنتك تذبحها وتدفعها لرجّال مثل ذا؟
بس لأنه ولد أخوك الكبير؟
هذي مو رجولة… هذي ذنب."
حاول أبو أنس يرد،
لكن الكل يعرف…
إذا هذا الرجل تكلّم؟
حتى الشيوخ يسكتون.
تنفّس أبو فيصل وقال بهدوء ثقيل:
"اذكر الله… يا ولدي… نفهمك زين."
رفع الرجل رأسه وقال بوضوح الشمس:
"البنت… لي أنا.
وأنا اللي باخذها."
سقطت الكلمات مثل رصاص مستقيم.
سعد اندفع واقف…
وجهه احمر…
لكن المجلس كله تغيّر.
النار اشتعلت…
والقدر بدأ يرسم خطّه.
يا بُنيَّتي… ما كلُّ ما نهوى يكونُ،
فالعيشُ يمضي، لا يميلُ لما نكونُ.
والقلبُ يحملُ أوجعًا في صمتِهِ،
لكن صبرُ الروحِ أندى ما يصونُ.
ما شاءهُ اللهُ المهيمنُ قد جرى،
لا حرفَ يعلو ما قضاهُ ولا يُهونُ.
نمضي، وإن ضاقت بنا خُطواتُنا،
فاللهُ يمسِكُ بالكفاحِ لمن يخونُ.
قد تُبتلى روحُ الفتاةِ بليلةٍ،
واللهُ يعلمُ ما تخبئهُ العيونُ.
فالجرحُ — لو صَعبَ — سيُزهرُ بعدهُ
نورٌ… ويأتي الفجرُ من خلفِ السكونُ.
فارضي بما كتبَ المليكُ فإنهُ
خيرٌ، وإن خَفيَ الجميلُ وذاك فنونُ.
واعلمي أن الدمعَ بابٌ واحدٌ،
ينفتحُ للصبرِ… فيعلو من يثونُ.