الفصل 52
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
كان جالسًا في مكتبه، يقلب أوراق الملف أمامه بمللٍ ثقيل، حتى رن هاتفه.
– «يــاهلا… لا والله، طالّ عمرك… إيوة… إيوة … طيب، ممتاز.
كلّنا جاهزين بإذن الله، ننطلق بكرة، وأعطيك التصميم اللي رسمته.
تمام… مشكور…
...... العفو.»
أغلق الخط، وأسند ظهره إلى الكرسي.
أدار وجهه نحو النافذة… حيث شجرة التفاح التي أحبها منذ طفولته.
كانت تلك الشجرة بالنسبة له ذاكرة، وملجأ، وحكاية لا يفهمها أحد غيره.
.
.
.
.
.
.
كانت هي جالسة على طرف سريرها، ترتجف من القلق.
همست بصوت متعب يختلط فيه الدعاء بالخوف:
– «يا رب… الصبر.
ليش مو راضين يردّون… والله خِفت…»
وقفت فجأة، تركض إلى الأسفل وهي تبحث عن هاتفها بيدين مرتجفتين.
وجدته أخيرًا… ضغطت الاتصال…
وقلبها يدق كأنها تركض وهي واقفة.
رنّ الهاتف في مكتبه.
قطع الصوت ما بين نظره وشجرة التفاح… كأنه يقطع خيط ذكرى طويلة.
ظهرت على الشاشة:
[غـــــلاي]
ابتسم…
وقلبه دقّ كما لو أن طبولًا عربية قد أُعلنت في صدره.
رفع السماعة، وضبط نبرة صوته:
– «ياهلا…»
جاء صوتها الانثوي الخافت ، مترددًا:
– «السلام عليكم فــؤاد…»
أجاب بسرعة، وفي صوته فرح حاول إخفاءه:
– «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته…
ياهلا وغلا بأسماء.»
سكتت قليلًا، ثم خرج صوتها متوترًا، مكسورًا:
– «فؤاد، الله يخليك… اتصل على أبوي وشوف وش فيه.
من الصبح وأنا أتصل عليه وعلى أمي… ولا أحد يرد.
والله خايفة… تأخّروا مرّة.»
اعتدل فؤاد في جلسته، جفّ ابتسامته:
– «لا تخافين. يمكن الشبكة مقطوعة، أو جوالاتهم طفت.
إن شاء الله خير… أنا أتصل وأطمن،
وانتِ انتظري ردي .»
– «الله يعطيك العافية يا فؤاد… ما تقصّر.»
ابتسم بخفة… ثم أغلق الاتصال ليتصل بخاله." ……………………………………
.
.
.
.
.
.
وقفت وسط الصالة، والغضب يكسوها من رأسها حتى قدميها:
– «أنـا قاعده أقول لكم مــا أبيــه!
ليش ما تفهمون؟ يا ربّي!
قلت لكم ما أبي أتزوجـه!
والله مابي! هو غصب يعني؟!»
ردّت أمها بنبرةٍ غاضبة تخشى الفضيحة أكثر مما تخشى الوجع:
– «قصري صوتك!
الرجال بالمجلس، يسمعونك، لو يسمعك أبوك يكسر راسك!
الكلمة إذا طلعت منّه خلاص…
إذا وافق هو… تــــتــــزوجين. انتهى الكلام!»
صرخت الفتاة، وعيناها تحترقان:
– «لا والله… ما أبيه!
ليه يا يمه؟
مو أنا بنتك؟
مو أنتي اللي قلتي ما تخلّين بناتك يعيشون اللي عشتيه؟»
تجمدت الأم…
كأن الكلمات جاءت كصفعةٍ موضوعة منذ زمن تنتظر لحظة سقوطها.
أغمضت عينيها… وصوتها خرج مكسورًا:
– «إيوة
… أنا قلت…
بس الدنيا ما ترحم…
وأبوك… ما يُردّ قوله.»
هنا تساقطت دموعها بغضب:
– «يمّه… بتزوجوني بــســعــد؟
اللي كل الناس تعرف اخلاقه وقساوته
وش هو وكيف هو؟
يمة..... بسعد المتزوج 3 حريم وعنده اولاد بعمر انس اخوي (يصغرها ب4 سنوات)
هذا مو زواج… هذا دفن.»
تدخلت أختها أمينة، بصوتٍ فيه رجاء وخوف على اختها.
– «يمّه… بالله عليك…
تبون تقتلونها؟
ليه تزوجونها بسعد وأنتم تعرفون سمعته… وتصرفاته؟
هذي مو حياة.»
سقط الصمت…
صمت يشبه الليل قبل العاصفة.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
من جانبٍ آخر…
مؤخرًا… صارت حبيسة غرفتها.
لا تخرج… لا تجلس معهم… لا تطيق حتى أن تسمع أصواتهم.
بعد عودتهم للمزرعة في ايطاليا وبعد دخول نورس بيتهم كظلّ ثقيل…
صارت الغرفة وطنها الوحيد.
لم تتقبل وجودها…
ولم تعد تحتمل أن تلتقي عينها بعين امرأة كانت يومًا زوجة القتيل …
كانت تجلس على طرف سريرها، تضم نفسها بذراعيها حين سمعت صوتًا دافئًا:
– «غراااام…»
نهضت، ومسحت على وجنتيها قبل أن تفتح الباب…
لتجد أم غازي واقفة أمامها، بوجهٍ يشبه الليل إذا تعب من الحزن.
ابتسمت الأم بحنانٍ موجوع، ورفعت يدها تمسح خدّ غرام:
– «وش فيك يا يمّه؟
كأنك مو بخير…
ليه ما تجلسين معنا؟
والله ما نستاهل إنك تكونين لوحدك بهالشكل…»
لم تستطع غرام هذه المرة أن تتظاهر بالقوة.
انهارت…
واندفعت إلى حضن أم غازي تبكي بصمتٍ يذبح.
ضمّتها الأم بقلبٍ يردد الأذكار،
تمسح على شعرها،
تهمس بآياتٍ تُسكّن الأرواح المنهكة:
– «حسبي الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله…
يا ربّ اكتب لها فرج.»
وفي لحظة، ظهر عزّام عند باب الغرفة.
رأى غرام بين ذراعي أمّه…
توقّف…
اقترب قليلًا…
لكن نظرة واحدة من أمّه كانت كافية لتقول: اتركها… دَع وجعها لامرأةٍ تفهمه.
فأدار ظهره ورحل.
…
جلس عزام في الصالة، يحاول أن يلتقط نفسه…
وفجأة—
خرجت نورس أمامه دون حجاب.
تجمّد.
كأنه رأى خطيئة تُرمي في وجهه.
صرف نظره فورًا، وصوته خرج غاضبًا، حادًا:
– «غطي شعرك.
ليش كاشفة؟ وأنا هنا؟!»
تقدّمت نورس وجلست بثقة لا تشبه الحزن، ولا الوفاء، ولا حتى الحشمة.
حركاتها محسوبة… أنثوية متعمدة:
– «وليش أغطي؟
ما بقى شيء بينّا…
ونحن، بالنهاية… بنصير لبعض.»
التفت لها عزام بصدمة:
– «عفوا ؟»
ابتسمت بخبثٍ لا يليق بذكرى الميت:
– «لا تكون ناسي يا عزّام…
عادات قبيلتنا تقول… زوجة الأخ إذا مات… يتزوجها أخوه.
وأنا قاعدة هنا بطلب عمّي أبو غازي…
ولأننا… بنــتــزوج.»
وقف عزّام.
وقف وكأن الأرض كلها حاولت تسنده كي لا يسقط من الغضب.
– «وش هالوقاحة؟!
زوجك ما جف ترابه!
ودمه للحين على الأرض!
وانتي تبين تتزوجين لا ومين انا؟
همس بقهر...... ".
كان يعشقك… وكان يشوف الدنيا فيك…
وين حبك ؟
وين وفاك؟
وين إنسانيتك؟!»
كلها طارت."
رفعت وجهها بغضبٍ مسموم:
– «أنت آخر واحد يتكلم عن الإنسانية!
أنت تزوجتها واخوك انقتل تحت يدهم.....!»
وصعدت بغضب ودموع تتنازل بقوة
سقطت الكلمات…
مثل سهم…
والغرفة اختنقت بالصمت.