الفصل 2
لم تنطق أم زيد بكلمة ، ناولته الأوراق ، أمسك السجّان بالأوراق، نظر إليها للحظة، ثم عبس وقطّب جبينه. و قال:
"انتظري هنا."
مضى بخطوات ثقيلة، تاركًا خلفه غيمة سوداء بدأت تتشكّل في صدر الأم. تشبّثت بحقيبة يدها الصغيرة، وضغطت على أصابعها كأنها تستجلب الصبر من جلدها ، مرت ساعة ثم ساعتان ثم ثلاث ، ثم وحدها الشمس ارتفعت أكثر و شحب وجه أم زيد مع كل دقيقة ، و أخيراً عاد السجان ، ناولها الأوراق و أضاف : تأجل الإفراج حتى إشعار آخر ...
كانت كلماته حادة كالسكين لكنها لا تطعن بل تبقي الأثر الذي لا يشفى ، لم تبكِ الأم ، لم تصرخ ، لم تكلمه بل عادت إلى الحافلة و وضعت رأسها على النافذة تفكر في زيد ، تمتمت بصوت يرتجف إن مع العسر يسرا ، إن مع العسر يسرا ، قلبها ما زال عند البوابة ، عند ابنها ، لا زال هناك يريد أن يعودَ إليه نبضه ، أن يعود له زيدُه .
وقتذاك وصلت الحافلة منعطفها الأخير نحو المدينة، لكنها لم تشعر بشيء.
كان كل شيء حولها باهتًا… الشارع، الناس، ضوء الشمس…
فمن دون زيد، لا لون يبقى، ولا وقت يُحتَسب.