الفصل الـ16: لا يمكنني...
حلّ الليل هادئًا، وكانت أنوار المنزل تنساب بهدوء عبر النوافذ. دخلت ناتسومي إلى الحمّام وهي تتوقّع لحظة استرخاء بسيط بعد يومٍ طويلٍ مليءٍ بالمشاعر. فتحت الصورة و بدأ الماء الدافئ ينساب في الحوض، فملأته برفقٍ حتى غطّى القاع، ثم خلعت ثيابها ودخلت إلى الماء ببطء، غارقةً بأعماق الاسترخاء، تريح جسدها وتسمح للدفء أن يذيب توتره.
جلست هناك لبعض الدقائق، تسمع رشّ الماء وخريره، وتغمض عينيها لبرهةٍ تستجمع فيها نفسها. ثم، فجأة، شعرت بثقلٍ غريبٍ في صدرها، وبدأت خيالاتٌ سوداء تتسلّل إلى ذهنها. أغلقت عينيها بإرادةٍ متعبة، وعلى الفور بدا الماء وكأنه يعلو فوقها، حضنه الرطب يغمرها وتنفّسها يضيق. فتحت عينيها فوجدت نفسها غارقةً بالكامل في الحوض. حاولت أن ترفع رأسها، لكنّ جسدها صار غريبًا ثقيلًا لا يستجيب كما اعتادت.
بدأت ترفس بساقيها داخل الحوض بذهول، تصفع الماء بيدَيها وتدفع بكل ما لديها، لكن كأنّ هناك قوةً تثقلها وتمنعها من الصعود. ازداد الصوت في أذنيها — خفق قلبها، خرير الماء، وصوتٌ داخليٌّ يقول لها أن الهواء يختفي. شعرت بالرُّؤية تضيق، وبدأت الأصوات تتباعد عن عالمها كما لو أن العالم يبتعد خطوةً بعد أخرى.
كان تسوكاسا في غرفة المعيشة يقرأ شيئًا بهدوء حتى سمع صوت الماء العالٍ، وشعرة غرابةٍ تمرّ خلال وعيه — شيئًا ما ليس على ما يرام. انتصب من مكانه فورًا، وركض بخطواتٍ سريعةٍ إلى الحمّام.
طرق على باب الحمام ثم قال بتوتر:
قال تسوكاسا: "ناتسومي، هل انتِ بخير؟!"
و لكنة لم يتلقى جوابًا، عندما فتح الباب، رأى المشهد الذي أيقظ كل مفاصل جسمه: جسد ناتسومي غارق في الماء، شعرها يلتصق بوجهها، ويديها تصرخان دون صوت. اندفع إلى جانب الحوض، وأمسك بها من كتفها وجرّها بقوةٍ إلى خارج الحوض.
التزم تسوكاسا بإحترامة وهو يحاول ألا ينظر إلى خصوصيّتها إلا بما يلزمه للإنقاذ.
أخرجها بسرعة من الحوض، ووضعها على الارض، ناتسومي بدأت تسعل بقوة، يخرج من جوفها ماءٌ، وعيها يعود ببطءٍ بصحبة رشفاتٍ متقطعةٍ من الهواء. أمسك تسوكاسا بمنشفةٍ بيديه ولفّها حول جسدها بسرعةٍ ليحميها من البرد ويحتفظ لها بكرامتها، بينما يتأكد من تنفسها و نبضها ويطمئن أن قلبها يعمل بشكل طبيعي.
سأل تسوكاسا وهو يرتعش قليلًا من الخوف والارتباك:
قال تسوكاسا: "ماذا حدث؟!"
انفجرت ناتسومي بالبكاء دون أن تنطق كلمةً واحدةٍ؛ كانت الدموع تسيل بلا صوت، و صوتها مرتعش من الصدمة التي تعرضت لها.
حملها تسوكاسا بين ذراعيه حاملاً إياها نحو باب غرفتها، وبخطواتٍ رقيقةٍ وضعها أمام باب غرفتها وقال لها بهدوءٍ رقيقٍ يخفي رُعبه:
قال تسوكاسا: "ادخلي الآن وارتدي شيئًا دافئًا."
أغلقت ناتسومي الباب خلفها، وصدرها يلهث، وقلبها يكاد يخرج من حلقها. جلس تسوكاسا على الأريكة في غرفة المعيشة وهو يشعر بوحشةٍ وخوفٍ شديدين عليها معًا. كانت خطواته المرتجفة تفضح كم اهتزّ كيانه. ظلّ جالسًا متأمّلًا حالة ناتسومي، يتأمل أن تكون بخير.
بعد دقائقٍ خرجت ناتسومي من غرفتها وقد لبست ملابسٍ دافئة. نظرت إليه بصمتٍ طويلٍ ثم خفّضت بصرها، وأدركت أن صمتها اليوم مختلف: صمت يختزن ألمًا وخجلًا. ناداها تسوكاسا بصوتٍ ناعمٍ فلمحت بصرها ورفعت رأسها إليه ببطء، فمدّ يده وهو يقول:
قال تسوكاسا: "تعالي هنا."
اقتربت ناتسومي وجلست بجانبَه، ضمّت ركبتيها إلى صدرها كما تفعل دائمًا حين تريد الاختباء من العالم، ووضعت رأسها على كتفه كطفلٍ يطلب الأمان. وضع تسوكاسا يدَه على رأسها برفقٍ وحنان، ثم سألها وقد بدت كلماته تحتوي رفقةً وقلقًا:
قال تسوكاسا: "بماذا شعرتِ؟ ماذا حدث في الحمّام بالضبط؟"
بدأت ناتسومي تحكي بصوتٍ خافتٍ وكأنها تخشى نطق الحقيقة بصوتٍ أعلى:
قالت ناتسومي: "شعرتُ فجأة بأن الماء يغطي وجهي، وأنني لا أستطيع التنفس... كنتُ أحاول الخروج لكنّي شعرت أن جسدي صار ثقيلًا جدًا..."
صمت تسوكاسا قليلاً ثم قال بحزمٍ رقيقٍ:
قال تسوكاسا: "اذهبي للنوم الآن. غدًا سنذهب إلى الطبيب ليفحصك."
أومأت ناتسومي برأسها ببطء، ثم نهضت وتوجّهت إلى غرفتها وأغلقت الباب. كانت كُل خطوةٍ منها تهزّ قلبها، وشعرت بارتجافٍ داخليٍّ لا يهدأ.
في الصباح التالي، أخذ تسوكاسا ناتسومي إلى عيادة الطبيب. أمسك بيدها أثناء المشي، حتى يشعرها بأنّها ليست وحدها. دخلا غرفة الفحص، وجلست ناتسومي على سرير الفحص بينما جلس الطبيب خلف مكتبه. سأله الطبيب بلطفٍ عن سبب المجيء، فأخبره تسوكاسا بما حدث في الحمّام دون أن يبالغ أو يخفّي الخوف.
فحص الطبيب ناتسومي بعنايةٍ: فحص الحنجرة، التنفّس، نبض القلب، ثم سأل تسوكاسا سؤالًا مهمًا:
قال الطبيب: "هل تأكل الفتاة شيئًا بشكل مفرط؟ أطعمةٌ غريبة أو سكريات؟"
صمت تسوكاسا لبرهة، ثم تذكّر عادة ناتسومي الدائمة: مكعبات السكر التي تحتفظ بها دائمًا. قال بتردّدٍ:
قال تسوكاسا: "هي... تأكل الكثير من مكعبات السكر."
ابتسم الطبيب قليلًا ثم قال بشكلٍ مهنيٍّ لكنه قلق:
قال الطبيب: "الإفراط في السكر قد يضعف المناعة مع الوقت. يبدو أن جسدها أعطاه إشارة — وربما ما حدث في الحمّام كان نتيجة لإعياءٍ مفاجئٍ أو انخفاضٍ في الطاقة بسبب ضعف المناعة. لحسن الحظ أنكم اكتشفتم الأمر مبكرًا."
طمأنهم الطبيب على أن حالة ناتسومي لا تُعدّ خطيرة إذا بدأوا بعلاجٍ مناسبٍ وتغييرٍ في العادات، ووصف لها بعض للڤيتامينات مع تعليمات للراحة والتغذية. شكر تسوكاسا الطبيب، ثم أمسك بيد ناتسومي لمساعدتها على النهوض، وغادرا العيادة متوجّهين إلى المنزل.
لدى وصولهما إلى البيت، توقّف تسوكاسا فجأة، ومدّ إلى ناتسومي كفه قائلاً بصوتٍ طالبٍ وهادئ:
قال تسوكاسا: "أعطني كيس مكعبات السكر."
أخرجت ناتسومي الكيس من جيبها، لكنّها وضعته خلف ظهرها وخفّضت بصرها بعناد، رافضةً أن تمنحه إياه. قالت بصوتٍ متلعثمٍ وكأنه يختصر خوفها:
قالت ناتسومي: "إذا تخلّيتُ عن مكعبات السكر، سيصعب عليّ الابتسام في الأوقات الصعبة..."
تقدّم تسوكاسا مرةً أخرى وهو يمدّ يده بوقارٍ وإصرارٍ:
قال تسوكاسا: "أعطيني الكيس، لن أكرر ما قلته مرة اخرى"
هزّت ناتسومي رأسها رافضةً بشدة. عندها مدّ تسوكاسا يده وأخذ يحاول سحب كيس مكعبات السكر منها، فركضت ناتسومي هاربةً منه ضاحكةً وهربت إلى الصالة، حيث أمسكت بوسادةٍ على الفور ورمتها تجاهه في محاولةٍ للهرب منه. اصطدمت الوسادة بأقدام تسوكاسا فتعثّر وسقط على الأرض لثوانٍ، وظنّت ناتسومي أن هذا سيفتح لها منفذًا للفرار، فركضت مبتعدة.
نهض تسوكاسا لكنّه لحق بها بسرعة، أمسكها من وسطها بحركةٍ حازمةٍ وامسك يدها ليأخذ منها الكيس، وقام بوضعه على رفٍ مرتفعٍ في المطبخ حيث يصعب عليها الوصول إليه بسهولة.
ثم بدأ يوبّخها بصوتٍ شبه حازمٍ ولكنّه مخنوق بالعاطفة بينما لا يزال يحملها من وسطها:
قال تسوكاسا: "لا ينبغي أن تُعرّضي نفسك للخطر لأجل ابتسامةٍ تبدو صادقةً للآخرين؛ ابتسامتكِ الحقيقية ثمينةٌ أكثر من مكعبات السكر."
ثم ترك تسوكاسا ناتسومي، فجلست ناتسومي على الأرض بضعة لحظاتٍ متألمة.
نزل تسوكاسا أمامها وجلس إلى جوارها. نظرت إليه بنظرةٍ حائرةٍ وبدأت عيناها تلمعان بالدموع.
طلب تسوكاسا منها بصوتٍ رقيقٍ،
قال تسوكاسا بلطف"لا تبكي يا ناتسومي."
لكنها أجابت بصوتٍ حزينٍ:
قالت ناتسومي: "لا أستطيع أن أبتسم دائمًا..."
مدّ تسوكاسا يده اليها ودعاها للانقضاض نحوه. همّت ناتسومي بالابتعاد، لكن شيئًا داخليًا دفعها إليه، فأقتربت منه على ركبتيها فأمسك تسوكاسا بيدها و اجلسها لي حضنه، ضمها تسوكاسا بذراعيه بلطفٍ وقوةٍ ليشعرها بالأمان.
قال لها وهو يربّت على ظهرها بخفةٍ:
قال تسوكاسا: "تعالي إليّ متى شعرتِ بالحزن في أي لحظة. حضني هنا لكِ دومًا. سأبقى معك مهما حدث."
استسلمت ناتسومي لذلك الحنان، وأغمضت عينيها مريحةً جسدها في حضنه. ارتخت، وسكنت، وبدأت الدموع تهدأ شيئًا فشيئًا. نظر تسوكاسا إلى وجهها المتعب ووعد نفسه بصوتٍ خافتٍ في داخله أنه لن يتركها تواجه صعوبات الحياة وحدها أبدًا.
°°°سكر_砂糖_sugar°°°